http://bahaj.ahlamontada.com



 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حالات الأخذ بالرخصة والعزيمة حال الإكراه " للعالم ولغيره "

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الياس الحجاجي



ذكر عدد الرسائل : 13
العمر : 37
العمل/الوظيفة : مدرس
الهويات : المطالعة
تاريخ التسجيل : 24/11/2011

مُساهمةموضوع: حالات الأخذ بالرخصة والعزيمة حال الإكراه " للعالم ولغيره "    الثلاثاء 10 يناير - 11:05



الجزء الثالث : سلسلة مسائل في الإكراه :
المسألة الثانية :

حالات الأخذ بالرخصة والعزيمة حال الإكراه
" للعالم ولغيره "
كتبه . إسماعيل مصلح أبوسويد .
ولبيان ذلك سنبينها في مسألتين :
مسألة : أيهما أولى الأخذ بالرخصة أم بالعزيمة في الإكراه ؟
مسألة : هل الأولى للعالم أن يتقي ويأخذ بالرخصة عند الإكراه أم يأخذ بالعزيمة ؟


مسألة : أيهما أولى الأخذ بالرخصة أم بالعزيمة في الإكراه ؟
ابتداءً يجب أن نعلم أن العلماء قد أتفقوا على أن الأولى والأفضل للمكرَه الأخذ بالعزيمة عند الإكراه على ترك دينه فالأولى له أن يثبت على دينه , ولا خلاف أنه أعظم أجراً عند الله ممن أخذ بالرخصة , والخلاف في هذه المسألة بين العلماء إنما هو في بقية حالات الإكراه .
يقول الإمام القرطبي رحمه الله في نقل الإجماع على أن الأخذ بالعزيمة أولى من الرخصة لمن أكره على ترك دينه وذكر الخلاف في بقية الحالات : " أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة . واختلفوا فيمن أكره على غير القتل من فعل ما لا يحل له " . (الجامع لأحكام القرآن / (10/188)).
ويقول الدكتور عبد الكريم زيدان في إباحة الأخذ بالرخصة مع بيان أن الأولى الأخذ بالعزيمة لمن أكره على دينه : " وقد يكون الأخذ بالعزيمة أولى مع إباحة الأخذ بالرخصة , ومن هذا إباحة إجراء لفظ الكفر على اللسان , مع اطمئنان القلب عند الإكراه عليه بالقتل أو تلف عضو , ولكن الأولى الأخذ بالعزيمة لما في ذلك من اظهار الإعتزاز بالدين والصلابة بالحق , وإغاظة الكافرين , وإضعاف نفوسهم , وتقوية معنويات المؤمنين .
يدل على ذلك : أن بعض أعوان مسيلة الكذاب أخذوا رجلين مسلمين وذهبوا بهما إليه , فسأل أحدهما : ما تقول في محمد ؟ قال : هو رسول الله . قال : فما تقول في ؟ قال : أنت أيضاً , فتركه ولم يمسه بسؤ , ثم سأل الآخر عن محمد فقال : هو رسول الله , قال : فما تقول في ؟ قال : أنا أصم لا أسمع , فأعاد عليه ثلاثاً , فأعاد جوابه , فقتله .
فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال : أما الأول فقد أخذ برخصة الله , وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنئاً له .
ومنه أيضاً : الأخذ بعزيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ولو أدى إلى القتل وهذا هو الأولى , يدل عليه ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قال كلمة حق عند سلطان جائر فقتله .
فأمر الحاكم الظالم ونهيه مع احتمال بطشه , أولى من السكوت عنه , لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله قريناً لحمزة بن عبد المطلب في مرتبة الشهادة العالية " .( الوجيز في أصول الفقه 53/ د. عبدالكريم زيدان ).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله : " والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ، ولو أفضى إلى قتله ، كما قال الحافظ ابن عساكر ، في ترجمة عبد الله بن حُذَافة السهمي أحد الصحابة : أنه أسرته الروم ، فجاءوا به إلى ملكهم ، فقال له : تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي .
فقال له : لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب ، على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ، ما فعلت ! فقال : إذا أقتلك . قال : أنت وذاك ! فأمر به فصلب ، وأمر الرماة فرموه قريبا من يديه ورجليه ، وهو يعرض عليه دين النصرانية ، فيأبى ثم أمر به فأنزل ، ثم أمر بِقِدْر .
وفي رواية : ببقرة من نحاس ، فأحميت ، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر ، فإذا هو عظام تلوح . وعرض عليه فأبى ، فأمر به أن يلقى فيها ، فرفع في البَكَرَة ليلقى فيها ، فبكى فطمع فيه ودعاه فقال له : إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة ، تُلْقى في هذه القدر الساعة في الله ، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله .
وفي بعض الروايات : أنه سجنه ومنع عنه الطعام والشراب أياما ، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير ، فلم يقربه ، ثم استدعاه فقال : ما منعك أن تأكل ؟ فقال : أما إنه قد حَلَّ لي ، ولكن لم أكن لأشمتك فيّ . فقال له الملك : فَقَبِّلْ رأسي وأنا أطلقك . فقال : وتطلق معي جميع أسارى المسلمين ؟ قال : نعم . فقبل رأسه ، فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده ، فلما رجع قال عمر بن الخطاب : حَقّ على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة ، وأنا أبدأ . فقام فقبل رأسه . (تفسير ابن كثير) . ( تاريخ دمشق / للحافظ ابن عساكر(9/116)).
يقول الشيخ عبد المنعم حليمة في استنباط الإجماع من هذا الحديث : " هذا الاستحسان من عمر رضي الله عنه ومن معه من الصحابة يعتبر بمثابة الإجماع الذي لا يُعرف له مخالف على تحسين موقف عبد الله بن حذافة ، وأن الأخذ بالعزيمة الذي تمثل في موقف هذا الصحابي الجليل هو الأولى والأفضل .. والله تعالى أعلم . ".(حالات يجوز فيها إظهار الكفر/ عبد المنعم مصطفى حليمة).
وقال أيضاً : " أن الذي يُكره على إظهار الكفر .. الأولى والأفضل بحقه أن يصبر ويأخذ بالعزيمة ولا يظهر الكفر ، وإن أدى ذلك إلى هلاكه ، وبخاصة إن كان من ذوي العلم وفي موضع الأسوة والقدوة للآخرين .
كما في الحديث ، عن أبي الدرداء قال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم : " أن لا تُشرك بالله شيئاً وإن قُطعت أو حُرِّقت ..". (أخرجه أبن ماجة، والبيهقي، صحيح الترغيب:566) .
وقال صلى الله عليه وسلم : " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان " منها " أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار " متفق عليه . ".(حالات يجوز فيها إظهار الكفر/ عبد المنعم مصطفى حليمة).
أما بالنسبة للإكراه في الحالات الأخرى فقد اختلف العلماء عند حصول الإكراه على الشخص في الحالات التي لا يكون فيها الإكراه على الكفر .
أيهما أفضل في حقه الأخذ بالرخصة فيما أكره عليه ، أم الصبر على الأذى وعدم تنفيذ ما أكره على فعله ولو أدى ذلك إلى استشهاده ؟
وقد مرّ معنا مما سبق إجماع العلماء في أن الأولى والأفضل لمن أكره على الكفر أن يثبت ومرّ معنا كذلك قول الإمام القرطبي رحمه الله في ذكر الخلاف بين العلماء في بقية الصور " فيمن أكره على غير القتل من فعل ما لا يحل له " . (انظر الجامع لأحكام القرآن / (10/188)).
فيظهر لنا من خلال هذا أن المسألة خلاف بين العلماء على قولين :
القول الأول : الأخذ برخصة الإكراه أولى من الصبر على الأذى :
أصحاب هذا القول يرون جواز الأخذ برخصة الإكراه فيما عدا القتل فلا يرى أحد جواز قتل المسلم ظلما بدعوى الإكراه، فالذين يرون جواز الأخذ برخصة الإكراه فيما دون القتل لا يبيحون الأخذ برخصة الإكراه على الإطلاق، وإنما يقولون بدفع أعظم الضررين بأدناهما في حق نفسه.
واستدل من يقول إن الأخذ برخصة الإكراه أولى من الصبر على الأذى ، بعدة أدلة وأقوال معتبرة للصحابة وغيرهم فممن نقل عنه ذلك ابن مسعود رضي الله عنه حيث يروى عنه أنه قال : « ما من كلام يدرأ عني سوطين من أذى سلطان إلا كنت متكلماً به » اهـ. (انظر تفسير القرطبي (10/ 182، 183)).
وقد ذكر الإمام القرطبي رحمه الله : " عن ابن سحنون عن أهل العراق أنه إذا تهدد بقتل أو قطع أو ضرب يخاف منه التلف فله أن يفعل ما أكره عليه من شرب خمر أو أكل خنزير ؛ فان لم يفعل حتى قتل , خفنا أن يكون آثما لأنه كالمضطر . ولو ترك المضطر أكل الميتة أو شرب الماء النجس حتى مات لأثم في ذلك ".(الجامع لأحكام القرآن/ (10/ 188)).
وقد قال بعض العلماء أن الأمر متساوي في ذلك أي الصبر على الأذى بالأخذ بالعزيمة أو الأخذ بالرخصة بنطق كلمة الكفر ما لم يستشهد المكرَه بقتله , قال ابن العربي رحمه الله : " إن التلفظ بالكفر عند الإكراه عليه , ناسخ لآيات وأحاديث المصابرة على العذاب اهـ .
فهو يستوي عنده الأمران ، التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه عليها ، أو الصبر على العذاب حتى القتل ويكون قتله شهادة ".(انظر أحكام القرآن لابن العربي (3/ 1165-1170)).
القول الثاني : الأخذ بالعزيمة أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة :
أصحاب هذا القول يريون أن الأفضل في حق المكره في حق الغير أن يأخذ بالعزيمة والشدة وأن يمتنع عن ما أكره عليه وإن ضرب أو قتل أو عذب في ذلك فهو أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة، وهذا القول يقول به أصحاب الإمام مالك رحمهم الله حيث يرون أنه إذا اجتمع مبيح ومحرم قدم المحرم . (انظر أصول الفقه، محمد الخضري بك (307)).
ويقولون إن الصبر على الأذى وتحمل القتل أو الضرب أو الحبس أولى من الأخذ بالرخصة وإجابة الطالب إلى ما طلب من محرم تحت وطأة الإكراه ، لا سيما إن كان هذا المحرم هو الإكراه على الكفر , وقد مرّ معنا قول أهل العلم في أن الأولى الأخذ بالعزيمة في حالة الإكراه على الكفر .
يقول الإمام القرطبي رحمه الله : " قال أصحاب مالك : الأخذ بالشدة في ذلك واختيار القتل والضرب أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة ، ذكره ابن حبيب وسحنون ". ( الجامع لأحكام القرآن/ (10/ 188)).
وقد استدل أصحاب هذا القول بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه خباب بن الأرت رضي الله عنه قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا ؟ فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار ، فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون .(رواه البخاري انظر فتح الباري (12/ 316) باب الإكراه).
يقول الإمام القرطبي رحمه الله في هذا الحديث : " فوصفه صلى الله عليه وسلم هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم والصبر على المكروه في ذات الله ، وأنهم لم يكفروا في الظاهر وتبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم .
وهذه حجة من آثر الضرب والقتل والهوان على الرخصة والمقام بدار الجنان " . ( الجامع لأحكام القرآن/ (10/ 188)).
ومما استدل به أصحاب هذا القول أيضاً ما روي عن الحسن رضي الله عنه أن عيوناً لمسيلمة أخذوا رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فذهبوا بهما إلى مسيلمة ، فقال لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال نعم . قال . : أتشهد أني رسول الله ؟ قال نعم . فخلى عنه . وقال للآخر : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال نعم. قال : وتشهد أني رسول الله ؟ قال : أنا أصم لا أسمع ؛ فقدمه وضرب عنقه .
فجاء هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هلكت ، قال : "وما أهلكك" ؟ فذكر الحديث ، قال : " أما صاحبك فأخذ بالثقة وأما أنت فأخذت بالرخصة على ما أنت عليه الساعة " قال : أشهد أنك رسول الله . قال " أنت على ما أنت عليه " ".(الجامع لأحكام القرآن / (10/188)).
يقول الشيخ محماس الجلعود " ففي هذا الحديث وفي قصة بلال ، ووالدي عمار سمية وياسر وقصة خباب بن الأرت في بطحاء مكة ، وخبيب بن عدي وقصة أصحاب الأخدود وقصة الإمام أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم ممن صبروا على العذاب في سبيل الله أكبر دليل على أن الصبر على الأذى أولى لمن وثق من نفسه في قوة التحمل وصلابة العقيدة ". (انظر المغني والشرح الكبير (10/ 107) وانظر تفسير القرطبي (19/ 286- 294) وانظر في ظلال القرآن، سيد قطب (م 8/ج 30/ 528-530) وانظر أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (2/ 98-100) وانظر تفسير الأحكام، محمد على السايس (3/ 54، 55) وانظر روائع البيان في تفسير آيات القرآن محمد علي الصابوني (1/ 402، 403)) .
إن قمة الإيمان تتمثل بأولئك الذين بلغوا القمة في الصبر والتضحية واليقين ، ولم يدفعهم الخوف أو الإكراه إلى تنفيذ أوامر الطغاة والظلمة والمجرمين فلم يهرولوا أمام أعداء الإسلام ويلهثوا تحت أقدامهم ، ويكيلوا لهم المدح الكاذب وينفذوا أوامرهم في معصية الله ، فما ظنك بمن ينفذ أوامر الطغاة وهو لم يضرب سوطا في سبيل الله ؟ كيف لو ضرب أو منع راتب شهر واحد ماذا يفعل بالإسلام والمسلمين ؟
إن مفهوم الإكراه قد اعتراه شيء من الغبش وسوء التصور عند بعض المسلمين حتى أصبح هذا الأمر مشجبا يعلق عليه المتخاذلون في نصرة الإسلام والمسلمين كل أسباب التخاذل والقصور في شأن الموالاة والمعاداة في الله .(الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية / محماس بن عبدالله الجلعود ).

مسألة : هل الأولى للعالم أن يتقي ويأخذ بالرخصة عند الإكراه أم يأخذ بالعزيمة ؟
للإجابة على هذه المسألة لابد أن نفصل حال المكره وهو العالم بحسب اعتبار الأمة له ولقوله وهل ينظر لمثله ولقوله وفتواه وهل يعتد به لدى الأمة في الإتباع ...
ثم لابد أن نبين كذلك الأمر الذي يكره عليه العالم وهل هي من أصول الدين أو من فروعه .
ثم هل يمتنع تحصيله أي هذا العلم من خلاله أومن غيره .
وهل في أخذ هذا العالم بالعزيمة وضرره جراء ما يترتب على أخذه بالعزيمة أن تتضرر الأمة بعدم تحصيل علمه من غيره , فهذه المسألة على سعتها وتغير أحوالها تختلف من عالم إلى آخر وكذلك المكرَه عليه يختلف بحسب اعتباره في الدين , فبعض أهل العلم يقول : هذا يختلف باختلاف الشخص
فإذا كان هذا الشخص في بقاءه مصلحة ومنفعة للناس وللمسلمين فالأولى أن يوافق ولا يترك الرخصة حتى ينفع الله به , وإن كان لا بد من بيان الحق ولا يعرف هذا الحق إلا من خلاله فوجب عليه الأخذ بالعزيمة والصبر على الأذى .
لذا سنحاول طرح كل مسألة وحالة على حدة لتتضح المسألة بإذن الله , وقد تبين لنا من خلال هذا أن الحالات التي تلابس العالم أو الداعية في حال الإكراه لا تخلو عن ثلاث حالات وهي :
الحالة الأولى : إما أن يكون هذا العالم لا يرجى مثله في العلم لمنفعة الأمة إن قتل فيحصل بهذا فقد للعلم أو ضرر وفقد مصلحة للأمة .
الحالة الثانية : أن يكرَه العالم في موطن تحتاج الأمة فيه إلى اظهار الحق من قبله إما لخفاء هذا الحق أو لألتباسه على الأمة .
الحالة الثالثة : العالم الذي لا تأثير له يلحق الأمة بضرر , بحيث لا ضرر للأمة أن فقد مثله ولا نفع أو ضرر أن كتم علمه عن الأمة .
وسنبين هنا بإذن الله كل حالة بايضاح من خلال كلام أهل العلم :
الحالة الأولى : أن يكون هذا العالم لا يرجى مثله في العلم لمنفعة الأمة إن قتل فيحصل بهذا فقد للعلم أو ضرر وفقد مصلحة للأمة .
فمثل هذا يرخص له الأخذ بالرخصة بل قد يكون مستحباً له ذلك في بعض الحالات , خاصة لاحتياج الأمة له في بعض الظروف التي قد لا يتحصل علم إلا من خلاله .
وقد قال الإمام جلال الدين السيوطي في ذلك : " إن تلفظ المكرَه بالكفر وإتيانه بعمل الكفر , يحتمل أن يكون أفضل من صبره حتى يقتل , إذا كان المكرَه ممن يتوقع منهم نكاية في العدو والقيام بأحكام الشرع .
وذلك كأن يكون عالماً بأحكام الشرع وليس في الناس مثله , وغير ذلك ممن تقتضي المصلحة بقائه حياً " .(الإكراه وأثره في التصرفات /د. عيسى محمد شقرة121, الأشباه والنظائر /جلال الدين السيوطي ).
وقال بعض العلماء : أن الأولى للإنسان أن يوافق مطلقاً لأن هذا أخذ برخصة الله عز وجل .
ومن ناحية أخرى لا شك بأن كون الإنسان المسلم يبقى حياً فيه خير وفائدة ، المسلم لا يزيده طول العمر إلا خيراً إن كان محسناً زاد إحسانه ، وإن كان مسيئاً فإنه يستعتب .

الحالة الثانية : أن يكرَه العالم في موطن تحتاج الأمة فيه إلى اظهار الحق من قبله إما لخفاء هذا الحق أو لألتباسه على الأمة .
فهنا يتوجب على هذا العالم أن يبين الحق ولا يكتمه , لأن مصلحة الأمة أولى من المصلحة الخاصة للعالم بحفظ النفس , ولأن الضرر المترتب على اتباع الأمة له على الباطل أشد من الضرر الذي يلحقه في نفسه إن أخذ بالرخصة وترك العزيمة باظهار الحق .
لا سيما إذا كان يترتب على موافقته على الكفر ظاهراً ضرر في الدين ، ومن ثم ضرر للأمة باتباعها له , فهذا لا يجوز له أن يوافق حتى ولو لم يوافق في الباطن ، وهذا من الصبر الذي يجب على الإنسان أن يصبر عليه ، لأن الإنسان لو وافق على الكفر ظاهراً فإنه يحصل بذلك ضرر على الناس في موافقته فهذا من الصبر الواجب ومن الجهاد في سبيل الله عز وجل ، فيجب عليه أن لا يوافق لا ظاهراً ولا باطناً .
ويدل لذلك : فعل الإمام أحمد رحمه الله في محنة القرآن ، فإن الإمام أحمد لم يتأول كما تأول غيره من العلماء ، وإنما صبر الإمام أحمد رحمه الله لأن موافقته يترتب عليها مضرة ومفسدة .
ويتأكد الصبر في حق من يفتدي به العوام ويتبعونه في تصرفاته وأقواله ، فلو تلفظ مثل هذا بالكفر رخصة مع احتمال أن الكثير من العوام لا يعرفون حقيقة الأمر ، وهو أن ما أظهره خلاف ما يبطنه ، فيؤدي هذا التصرف إلى فتنتهم ، بل قد يصل الأمر إلى التحريم في حقه بسبب ما يسببه من فساد . (انظر عوارض الأهلية عند الأصوليين).
وفي هذا المعنى قول إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله حين سئل عن العالم وهل يأخذ بالتقية قال : ( إذا أجاب العالم تقية ، والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق ؟ ) .( البحر المحيط لأبي حيان 2/424 ).
وهذا هو واجب العلماء والدعاة الذي أوكلهم الله بأن يبينوا الحق ولا يكتمونه , فقد صح في الحديث الذي رواه الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة " .
وفي الآية التي نزلت في حق أهل الكتاب ، ذم الله فعلهم ، وفعل كل من كان على شاكلتهم ، لكتمانهم الحق لقوله تعالى : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيِّنُّنه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلاً فبئس ما يشترون ) آل عمران : 187.
وقد اختلف المفسرون في حق من نزلت هذه الآية ، على ثلاثة أقوال ، ذكرها الطبري في " تفسيره "
الأول : أنها نزلت في حق اليهود ، وهم المقصدون فيها ؛ فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أنه قال : { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه } إلى قوله : { عذاب أليم } يعني : فنحاص و أشيع وأشباههما من الأحبار .
وعنه رضي الله عنه أيضًا قال : في التوراة والإنجيل : أن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده ، وأن محمدًا رسول الله يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، فينبذونه .
وعن السدي قال : { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه } قال : إن الله أخذ ميثاق اليهود ليبينه للناس ، محمدًا صلى الله عليه وسلم ، ولا يكتمونه ( فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلاً ) .
وعلى هذا القول ، فالآية كما يقول ابن كثير توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب ، الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء ، أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأن ينوِّهوا بذكره في الناس ، ليكونوا على بينة من أمره ، فإذا أرسله الله تابعوه . فكتموا ذلك ، وتعوضوا عما وعِدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة ، بالدون الطفيف ، والحظ الدنيوي السخيف ، فبئست الصفقة صفقتهم ، وبئست البيعة بيعتهم . الثاني : أن المقصود في هذه الآية كل من أوتي علمًا بأمر الدين ؛ روي عن قتادة أنه قال : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم ) .
هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم ، فمن علم شيئًا فلْيُعلِّمه ، وإياكم وكتمان العلم ، فإن كتمان العلم هلكة ، ولا يتكلفن رجل ما لا علم له به ، فيخرج من دين الله ، فيكون من المتكلفين .
وكان يقال : طوبى لعالم ناطق ، وطوبى لمستمع واع .
هذا رجل عَلِمَ علمًا فعلمه وبذله ودعا إليه ، ورجل سمع خيرًا فحفظه ووعاه وانتفع به .
وقال محمد بن كعب : لا يحل للعالم أن يسكت على علمه ، ولا للجاهل أن يسكت على جهله ، قال الله تعالى : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ) وقال: ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) . (الأنبياء:7) .
وقال أبو هريرة رضي الله عنه : لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء ، ثم تلا هذه الآية .
ورُوي عن علي رضي الله عنه أنه قال : ما أخذ الله على الجاهلين أن يتعلموا ، حتى أخذ على العلماء أن يُعلِّموا .
وعن الحسن قال : لولا الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم ، ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه .
ثالثًا : وقال قوم : معنى الآية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم ؛ فعن سعيد بن جبير قال : قلت لـ ابن عباس رضي الله عنهما : إن أصحاب عبد الله يقرؤون : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ) . ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ) ( آل عمران :81) قال : أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم .
وإلى أي الأقوال ذهبنا ، فإن العبرة بعموم اللفظ ، لا بخصوص السبب ، كما هو مقرر عند أهل التفسير ، فحكم الآية إذًا يشمل كل من يرتكب صنيع أهل الكتاب ، ويفعل فِعْلَتهمْ من الكتمان والنبذ .
ولا يخفى أن الأمم لا تحيى بالخبز وحده ، بل هي بحاجة أيضًا إلى ما يحيي قلوبها ، ويشرح صدورها ، ويفتح أبصارها ، ويُزيل الغشاوة عن بصائرها ؛ وكل هذا لا يكون إلا بنشر العلم ، وبثِّه بين الناس ، ومن ثَمَّ العمل به ، أما إذا استأثر كل عالم بعلمه ، فقد أصبح الجهل هو سيد الموقف ، وأضحت الأثرة هي التي تتحكم في سلوك الناس وفِعالهم ، وحينئذ يصبح الناس فوضى لا سراة لهم ، ويتحقق فيهم قول الحق سبحانه : ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ) (الروم:41).
ومن هنا ندرك أهمية التحذير القرآني ، والهدي النبوي من كتمان العلم ، وحجبه على الناس ، قال تعالى : (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيَّنَّاه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) (البقرة:159) ، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع ، الدال على العمل الصالح ، ولا يكتموا منه شيئًا ، وإلا فقد حقَّ عليهم ما أخبر الله به ؛ وبالمقابل فعلى الناس أن يسعوا في طلب العلم ، ويحصنوا أنفسهم به ، وفي عزوفهم عن ذلك هلاك لهم ، وأي هلاك .
فعلى العالم تبيين الحق وإن أدى ذلك إلى ضرره وأذاه ليعلم الجهلة والعوام أين الحق فلا يلتبس عليهم الحق بالباطل .
ولا شك كما مرّ معنا ، أنه وإن جاز قول الكفر أو فعله بسبب الإكراه إلا أن الصبر أفضل وأعظم أجراً ، يقول الإمام ابن العربي رحمه الله : (إن الكفر وإن كان بالإكراه جائزاً عند العلماء فإن من صبر على البلاء ولم يفتتن حتى قتل فإنه شهيد ، ولا خلاف في ذلك ، وعليه تدل آثار الشريعة التي يطول سردها …) .(أحكام القرآن 3/1179 ).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله : ( والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله). (تفسير ابن كثير 2/588، وانظر المغني 8/146، وأحكام القرآن للجصاص 3/192) .
ضابط مهم : دفع أشد الضررين عند تزاحم المفاسد :
ومما يترتب عليه من أضرار جراء أخذ العالم بالرخصة إذا أكره على الكفر , أن دفع العالم الضرر عن نفسه ينجم عنه ضرر على الأمة بخفاء الحق فيكون في ذلك ضرر متعدي على الأمة بوقوعها في الباطل لخفاء الحق عن عامة الناس ولعدم تبيين العالم له , ورجم الله الإمام أحمد بن حنبل حيث قال : " إذا جهل الجاهل وأتقى العالم فمتى يعرف الحق " .
يقول الدكتور/ عبد المجيد السوسوة في تقرير هذه القاعدة وعدم التعدي بالإضرار بالغير : "إذا اجتمعت المفاسد فعلى المسلم أن يسعى إلى درئها جميعاً وإذا تعذر عليه ذلك بأن وجد نفسه مضطراً إلى ارتكاب بعض المفاسد لكي يتجنب بذلك البعض الآخر " كحالة الإكراه التي ذكرناها " فلا بد له من الموازنة بين المفاسد لكي يدرأ أشدها بارتكاب أخفها ، فليس له أن يعمل هذه الموازنة إلا إذا كان مضطراً إليها ولم يكن ملزماً بتحمل نوع معين من المفاسد وأن لا يجد مباحاً يدرأ به حالة الضرورة وأن لا تؤدي الموازنة إلى الإضرار بالغير وأن تكون الموازنة وفق المعايير الشرعي " .(منهج فقه الموازنات في الشريعة الإسلامية / الدكتور. عبد المجيد السوسوة).
ويقول الشيخ عبدالرحمن المحمود " إذا اضطر إلى أن يفعل إحداها فعليه أن لا يرتكب الكبرى بل يرتكب المفسدة الصغرى ، بمعنى يرتكب أهون الشرين دفعاً لأعلاهما ، فإذا كانت إحدى المفسدتين حراماً والأخرى مكروهة يرتكب المكروه لأن الحرام أعلى من المكروه ".(شرح القواعد الفقهية / عبدالرحمن المحمود النجدي ).
وعلى ذلك فالقاعدة عند تزاحم المفاسد وعدم التمكن من دفعها , درء المفسدة الواقعة على الغير بارتكاب ما يقع على النفس , يقول الشيخ سعيد بن ناصر الشثري : " من المفاسد ما يتعلق بالغير ومنها ما هو قاصر على النفس ، فالمفسدة القاصرة على النفس نرتكبها إذا لم نتمكن من درء المفسدة المتعلقة بالغير إلا بارتكاب المفسدة الأولى " .(منظومة القواعد الفقهية / شرح الشيخ سعيد بن ناصر الشثري ).
فمن خلال هذا الكلام يتبين لنا أن المفاسد إذا تزاحمت فيجب درء المفسدة الأشد ضرراً بالأخف ضرراً , ولا شك أن الضرر الواقع على الأمة جراء الجهل بدينها أشد ضرراً مما يقع على العالم من إيذائه بالإكراه , لا سيما إذا كان هذا الجهل متعلق بأصول الدين وأحداث الأمة المصيرية , والتي قد يزهق بسبب عدم بيان الحق أرواح المسلمين ومن يذودون عن هذا الدين .
ويضاف لما سبق أن دفع العالم الضرر عن نفسه مقيد بألا يلحق بغيره الضرر وقد ورد في القاعدة الفقهية : ( الضرر لا يزال بمثله ) .
ضابط شرعي : يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام :
ومن القواعد التي ترد في هذه المسألة قاعدة يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام وبناءً على ما مضى , وعلى هذه القاعدة , فإن المفاسد إذا تزاحمت ولم يمكن دفعها فعلى العالم أو الداعية أن يتحمل الضرر الذي يلحقه , والناجم عن الإكراه الواقع عليه لأنه ضرر خاص لا يتعدى ضرره إلى الأمة , ويدفع ما أكره عليه بالصبر على البلاء إن كان هذا الإكراه يخفى به الحق عن الأمة أو كان الباطل يلتبس بالحق ويقتدى بهذا الباطل عوام الناس ومن يتأثر بهذا العالم , لذا فإن مثل هذا العالم يجب عليه أن يدفع هذا الضرر العام والذي يقع على الأمة أو جماعة من الناس في دينها , بأن يتحمل الضرر الخاص الذي يلحقه .
وفي هذا المجال يقول الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله : " وإن تعارضت المفاسد ، نحاول درء الكل ، فإن تعذر فالأفسد ، فإن تساوت فتُدرأ المفسدة الأشمل ، مع مراعاة التحقق من وقوع المفسدة "(قواعد الأحكام في مصالح الأنام/133).
ويقول الدكتور عبد الكريم زيدان في تحمل الضرر الخاص عند تزاحم المفاسد ودفع الضرر العام " إذا تزاحمت المفاسد وتحققنا من وقوعها الفعلي فهنا يعمل بضابط مهم وهو يُدفع الضرر العام والذي قد يصيب الأمة أوعموم الناس وإن استلزم هذا الدفع إيقاع الضرر الخاص والذي قد يصيب فرداً أو فئة قليلة من الناس " . (القواعد الفقهية/عبد الكريم زيدان ).
ومع مراعاة هذه القواعد التي مرت معنا , تبقى مسألة مهمة في باب الإكراه يجب التنبيه عليها أن العالم بإكراهه على كتم الحق أو تزيين الباطل فإنه بهذا قد يدفع الأمة إلى ترك دينها أو فهمه فهماً خاطئاً , أو إلتباس الحق بالباطل لديهم , ومعلوم لدى العلماء أن ذلك محرم لأنه يكون كإكراه الغير على ترك دينه أو ارتكاب المحرم وقد يصل أحياناً إلى الكفر والعياذ بالله , وهذا ما نراه حاصلاً في هذا الزمان حيث ألتبس الحق بالباطل وكتم كثيرُ من العلماء الحق خشية منهم على أنفسهم بوقوع الإكراه عليهم وللأسف أن بعضاً منهم يندفع لذلك بمجرد الظن بوقوع الإكراه , ومعلوم لنا مما سبق أن مجرد الظن لا يعتبر شرعاً ولا يعتد به لدى أهل العلم , فقد يدفع أخذ العالم بالرخصة بكتمان الحق البعض إلى الوقوع في الكفر أو المحرم وهذا أشد حرمة من النفس التي يحافظ عليها العالم خشيةً عليها من الإكراه أو الأذى .
يقول الشيخ أبوالمنذر الحربي : " إذا أُكرِهَ إنسان على أن يُكره غيره على الكفر لم يجز له ذلك لأن الدين أعظم حرمة من النفس ، والكفر أشد من القتل ، وحفظ الدين مقدم على حفظ النفس .
والفرق بين هذه الصورة وبين جواز النطق بكلمة الكفر أو فعل الكفر عند الإكراه من وجوه :
الوجه الأول / أن الأولى قاصرة على الشخص نفسه وجاءت فيها الرخصة من الله تعالى ، وأما الثانية فإنها متعدية إلى الغير ، واللازم أقل ضرراً من المتعدي ، والقاعدة عند العلماء أنّ الرخص لا يُتجاوز بها محالها ، والضرورة تقدّر بقدرها .
الوجه الثاني / أنه في الصورة الأولى يُكرَهُ على النطق بالكفر أو فعله فيفعل ذلك وهو كاره له ، ولكن في الثانية إذا أكره غيره على قول الكفر أو فعله فقد يقول أو يفعل راضياً بذلك ويقع في الكفر الذي هو أعظم مفسدة من القتل .
الوجه الثالث / أن الشرع رخص لمن أُكرِه على كلمة الكفر أو فعله في نفسه هو ، ولم يرخص له أن يُكره غيره " . (عون الحكيم الخبير / أبوالمنذر الحربي ) .
وبعد هذا كله لن يفوتنا التذكير بواجب العلماء من القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وبأن الصبر على البلاء والامتناع عن هذه الرخصة من عزم الأمور وفضائل العبادات ، وزهوق نفس المؤمن وفوات مصالحه الدنيوية في هذا السبيل تجعله في مصاف سيد الشهداء حمزة رضي الله عنه ، فقد قال رضي الله عنه : ((سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه ، فقتله)). (رواه الحاكم في مستدركه ح (4884)، والمنذري في الترغيب والترهيب ح (3483)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (374)).
ويقول الدكتور عبدالكريم زيدان في فضيلة ذلك : " الأخذ بعزيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , ولو أدى إلى القتل وهذا هو الأولى , يدل عليه ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قال كلمة حق عند سلطان جائر فقتله .
فأمر الحاكم الظالم ونهيه مع احتمال بطشه , أولى من السكوت عنه , لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله قريناً لحمزة بن عبد المطلب في مرتبة الشهادة العالية " .( الوجيز في أصول الفقه 53/ د. عبدالكريم زيدان ).
الحالة الثالثة : العالم الذي لا تأثير له بأخذه بالرخصة أو العزيمة ما لا يلحق الأمة بضرر جراء ذلك , بحيث لا ضرر للأمة أن فقد مثله ولا نفع أو ضرر أن كتم علمه عن الأمة .
فالأمر هنا سيان للأمة , لأنه قد يكون مثل هذا لا يقتدى به من قبل الأمة , لذا لا يترتب ضرر على الأمة من أخذه بالرخصة إن أكره على قول خلاف الحق , ولكن الأفضل له الأخذ بالعزيمة لعدة اعتبارات , منها كما مرّ معنا أن الأخذ بالعزيمة أولى من الرخصة لعموم الأدلة التي مرت في المسألة السابقة .
ومما يدل على استحباب أخذ العالم بالعزيمة إن لم يلحق الأمة ضرر زائد , ما ورد معنا في واجب العلماء في تبيين الحق واظهاره وعدم كتمانه وقد سبق في الحالة الثانية .
ومن الإعتبارات كذلك واجب الأمة عموماً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وكذلك أن مثل هذا العالم وإن لم يقتدى به ابتداءً , إلا أن الله سيعلي من قدره وأمره باظهاره للحق وقد جرى مثل هذا للأمم كلها , فكم من صاحب حق أو دعوة آثر الأذى والهوان والصبر على ذلك لينصر قضيته فارتفع شأنه واقتدي بمثله , والأولى بهذا هو المسلم خاصة إن كان من أهل العلم .
ولا شك أن ذلك أعظم أجراً ممن أخذ بالرخصة .
قال ابن حجر رحمه الله : " قال ابن بطال : أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجراً عند الله ممن اختار الرخصة ". (فتح الباري (12/317)) .
وقد مرّ معنا أن الأخذ بالرخصة هو على وجه الإباحة إذا لم يتعلق بها ضرر على الأمة فهو إذاً للعالم على هذه الحالة رخصة ، يقول الإمام القرطبي رحه الله "هو على وجه الإباحة ، لا على وجهة الإيجاب، ولا على الندب ". (أحكام القرآن (5/13)).
وهكذا فإن إعذار المكره وترك عقوبته صورة من صور رحمة الله وأثر من آثار فضله وعدله ، فإنه تبارك وتعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها ، ولا يؤاخذ واحداً بكسب غيره وعدم اختياره ، فهذا مما تجاوز الله عنه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم تكرماً منه وفضلاً .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
حالات الأخذ بالرخصة والعزيمة حال الإكراه " للعالم ولغيره "
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
http://bahaj.ahlamontada.com :: الاقسام الاساسية :: ..::: مجالس الشريعة والحياة :::..-
انتقل الى: