http://bahaj.ahlamontada.com



 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حالات الأخذ بالرخصة والعزيمة حال الإكراه " للعالم ولغيره "

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الياس الحجاجي



ذكر عدد الرسائل : 13
العمر : 37
العمل/الوظيفة : مدرس
الهويات : المطالعة
تاريخ التسجيل : 24/11/2011

مُساهمةموضوع: حالات الأخذ بالرخصة والعزيمة حال الإكراه " للعالم ولغيره "    الثلاثاء 10 يناير - 11:07

الجزء الرابع : سلسلة مسائل في الإكراه :
المسألة الثانية :

حالات الأخذ بالرخصة والعزيمة حال الإكراه
" للعالم ولغيره "

كتبه . إسماعيل مصلح أبوسويد .

بعض مواقف العلماء الآخذين بالعزيمة في تبيين الحق :
قال الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله : والتقية إنما تجوز للمستضعفين الذين يخشون ألا يثبتوا على الحق والذين ليسوا بموضع قدوة للناس , فهؤلاء يجوز لهم أن يأخذوا بالرخصة .
أما الأئمة الهداة أولو العزم فإنهم يأخذون بالعزيمة ويحتملون الأذى ويثبتون , وفي سبيل الله ما يلقون , ولو أنهم أخذوا بالتقية واستساغوا الرخصة لضل الناس من ورائهم يقتدون بهم ولا يعلمون أن هذه تقية , وقد أُتي المسلمون من ضعف علمائهم في مواقف الحق .. لا يجاملون الملوك والحكام فقط !
بل يجاملون كل من طلبوا منه نفعاً أو خافوا ضرّاً في الحقير والجليل من أمر الدنيا ، ولقد قال رجل من أئمة هذا العصر المهتدين : " كأن المسلمين لم يبلغهم من هداية كتابهم فيما يغشاهم من ظلمات الحوادث غير قوله تعالى : (( إلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً )) ، ثم أصيبوا بجنون التأويل فيما سوى ذلك.
ثم تفكروا يا علماء هداكم الله في قول ابن تيمية عندما ابتلي ، ليوضح لكم طريق العلماء ، قال ابن تيمية رحمه الله : " ما يفعل أعدائي بي ؟ أنا سجني خلوة ، ونفيي سياحة ، وقتلي شهادة " .
ويسير على دربه وعلى درب العلماء الصادقين ، الشهيد نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله سيد قطب الذي رفض التنازل الإنكسار ، أُعدم بسبب رفضه الاعتراف بحاكم طاغية ، فما بالكم اعترفتم بالحكومات الطاغية المرتدة الخائنة ، يقول رحمه الله : " إن إصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة ليرفض أن يكتب حرفاً يقر فيه حكم طاغية. " ( ردود على أباطيل وشبهات حول الجهاد / عبدالملك البراك ).
ونحن في هذا الباب بإذن الله تعالى سنبين قصص ومواقف بعض علماء ودعاة الإسلام والذين رفعوا بهمتهم العالية راية الإسلام بعدم ارتضائهم الخنوع والسكينة والإنكسار رغم أنه قد يكون لهم مخرج شرعي يتذرعون به بأن يستمسكون برخصة التقية وغيرها من الرخص , ولكن أبى الله ألا أن يُحفظ دينه بمشيئته وبتسخيره أمثال هؤلاء لحفظ الدين من التلاعب به والتلبيس على الأمة وتمييعها بمواقف المنكسرين والمنهزمين والصامتين عن قول الحق .
اللهم إنّا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة وارزقنا قول الصدق والثبات حتى الممات ربنا ولا تجعلنا من الظالمين والخانعين والمنهزمين , آمين يا رب العالمين .


1-الإمام الشهيد محمد بن الحُبَلى :
الإمام الشهيد محمد بن الحُبَلى قاضي مدينة برقة كان من أعيان الفقهاء وسادات العلماء .
أتاه أمير برقة وقال له : غداً العيد فقال القاضي حتى نرى الهلال ولا أفطر الناس وأتحمل إثمهم .
فقال الأمير : لقد جاءت أوامر من الخليفة بأن غداً هو العيد وكان مذهب الدولة العبيدية الإعتماد على الفلك والحساب ولا يعتبرون برؤية الهلال .
فلما أتى المساء لم يظهر الهلال ومع ذلك نفذ الأمير تعليمات السلطان وأعرض عن تعليمات الرحيم الرحمن وقال غداً العيد .
وفي الصباح خرج الأمير وأمر القاضي بالخروج للصلاة فقال القاضي : لا أخرج ولا أصلي .
فأمر الأمير أحد أعوانه بصلاة العيد بدلاً من القاضي وكتب بما حدث للمنصور أحد حكام الدولة الفاطمية فغضب المنصور وأرسل يستدعي القاضي فذهب إليه فقال المنصور : ارجع عما قلت وأعف عنك أو العذاب حتى الموت .وكان رد القاضي سريعاً حاسماً قاطعاً :لن أتراجع عما قلت . وأصر على قوله .
فأمر السلطان بصلبه على خشبة وتركوه في الشمس المحرقة والحر الشديد , فكان رحمه الله يستغيث من شدة العطش فلم يسق وتركوه حتى مات رحمه الله بعد أن أرضى الرحمن وأغضب الشيطان . (سير أعلام النبلاء 15/375).


2-الحارث بن مسكين :
الحارث بن مسكين الإمام العلامة الفقيه المحدث وقاضي القضاة بمصر .
حدث عنه عبدالله ابن الإمام أحمد بن حنبل وأبوداود والنسائي وأبويعلى الموصلي , وشدة إليه الرحال من كل مكان .
كان يحكم مصر في ذلك الحين أبراهيم بن تميم وأحمد بن أسباط , وكانا ظالمين غاشمين وقد تظلم الناس منهما .
وعندما أتى أمير المؤمنين المأمون إلى مصر طلب من وزيره اختيار أحد العلماء لمنصب قاضي القضاة بالديار المصرية وتحرى الوزير عن العلماء والفقهاء فلم يجد أفضل من الحارث بن مسكين فقد كان من العلماء الزاهدين الناطقين بالحق والعدل .
وجلس الوزير بالجامع واجتمع الأعيان والأمراء والعلماء وأحضر الحارث بن مسكين ليتولى القضاء وبينما الوزير يكلم الشيخ إذ قال له متظلم : أصلح الله الوزير سل الحارث بن مسكين عن ابن تميم وابن أسباط .فقال الوزير : ما تقول فيهما ؟
فقال الحارث : أعفني . فقال الوزير : لا أعفيك .فقال الحارث : هما ظالمان غاشمان فثار الناس واضطرب المسجد فقد صادف هذا القول هوى الناس لأنه عين الحقيقة ولأنه قال ما يدور في قلوب الناس ويخشون النطق به .
وأحس الوزير بالغضب الذي يدور في قلوب الناس وخشي ثورتهم فقام مسرعاً وأعلم أمير المؤمنين بما حدث وقال : لقد خفت على نفسي من ثورة الناس مع الحارث .
فغضب المأمون واستدعى الحارث فقال له : ما تقول فيهما ؟
فقال ظالمين غاشمين .
فقال المأمون : هل ظلماك بشيء ؟ فقال الحارث : لا.
فقال المأمون : هل عاملتهما ؟ فقال الحارث : لا .
فقال المأمون : فكيف تشهد عليهما ؟
فقال الحارث : كما شهدت أنك أمير المؤمنين ولم أرك إلا هذه الساعة .
فقال المأمون : بع قليلك وكثيرك واخرج من هذه البلد وحبسه ولما ترك المأمون مصر وذهب لقتال أهل البشرود أخذه معه وظن أن الحبس قد أضعف عزيمته فقال له : ما تقول فيهما ؟
فرد الجواب بعينه : هما ظالمان غاشمان .
فقال المأمون : فما تقول في قتالنا لأهل البشرود .
فقال الحارث : اخبرني ابن القاسم عن ابن مالك أن الرشيد كتب إليه يسأله عن قتال أهل البشرود فقال مالك رحمه الله : إن كانوا خرجوا عن ظلم وقع عليهم من السلطان فلا يحل قتالهم , وإن كانوا شقوا عصا الطاعة فقتالهم حلال .
فغضب عليه المأمون وقال : أنت تيس ارحل عن مصر .
فقال الحارث : إئذن لي أن أذهب إلى الثغور لجهاد الأعداء , فقال المأمون : لا بل إلى مدينة السلام .
وظل الحارث محبوساً بمدينة السلام وأحضر ذات يوم لمجلس المأمون وظل المأمون يقول : يا ساعي ويرددها وأحس الحارث بأنه المقصود فلم يرتعش ولم يرتجف وقال بعزة العالم وصدق الزاهد : والله ما أنا بساع ولكني أحضرت فسمعت وأطعت ثم سئلت عن أمر فاستعفيت فلم أعف فكان الحق آثر عندي من غيره .
فقال المأمون : هذا رجل أراد أن يرفع له علم ببلده وأعاده إلى محبسه وظل الحارث محبوساُ ببغداد ست عشر سنة , حتى أطلقه الواثق بالله في آخر أيامه .
فرجع إلى مصر بالإسكندرية يعلم الناس الخير . ( وفيات الأعيان 2/51 , سير أعلام النبلاء 12/ 54).

3-القاضي الأمير والوزير أبو القاسم محمد بن إسماعيل :
كان قاضياً لأشبيلية وغضب الأمير يحي بن علي بن حمود على أهل أشبيلية وكان ظلوماً غشوماً فحاصر اشبيلية فاجتمع أهل اشبيلية كبيرهم وصغيرهم على القاضي ابن عباد وقالوا انهض بنا إلى هذا الظالم الغاشم ولا يصلح للإمارة إلا أنت فأجابهم وخرج بهم لقتال الأمير يحي بن حمود ودارت معركة كبيرة انتهت بمقتل الأمير يحي وانتصار القاضي أبوالقاسم محمد بن إسماعيل ودانت له الرعية وتكلك قرطبة وغيرها من البلاد ولقب بالظافر وظهرت مواهبه وكما كان قاضياً عادلاً محبوباً أصبح أميراً حاكماً عادلاً محبوباً . ( سير أعلام النبلاء 17/527).

4-القاضي أحمد بن إسماعيل الكوراني الشافعي ثم الحنفي :
الإمام العلامة بحر العلوم وشمس الفهوم القاضي العادل والعالم الزاهد ورد عليه ذات يوم مرسوم مخالف للشرع فحرقه وعزّر من أتى به فلما بلغ السلطان ذلك عزله عن القضاء ووقع بينهما تنافر ووحشة ورحل الكوراني إلى الديار المصرية تسبقه شهرته وعلمه وفضله . ( البدر الطالع 1/39 , الطبقات السنية في تراجم الحنفية 1/322 , الشقائق النعمانية لعلماء الدولة العثمانية 1/143).

5-القاضي إبراهيم بن إسحاق بن أبي عنبس :
أبو إسحاق الزهري الاقاضي الكوفي ولي قضاء مدينة المنصور وكان ثقة صالحاً من أصحاب الحديث .
وقد تعرض للبلاء فصبر وفقد منصبه بسبب تمسكه بالحق وقيامه بالشرع فقد احتاج أمير المؤمنين الخليفة العباسي الموفق بالله إلى بعض الأموال ولم يجد فأرسل ألى القاضي يطلب منه أن يدفع إليه أموال اليتامى على سبيل القرض , فأبى أن يدفعها إليه وقال : لا والله ولا حبة منها فغضب الموفق وعزله عن القضاء سنة 154هـ فما حزن وما ندم فقد أدى ما عليه وأرضى ربه . ( الطبقات السنية في تراجم الحنفية 1/120).

6-القاضي أبوبكر الباقلاني :
رأس المتكلمين على مذهب الشافعية كان من العلماء الصالحين , وذكر الخطيب أن عضد الدولة بعثه سفيراً إلى ملك الروم واستقبله الملك فلما ذهب لإليه إذا هو لا يدخل عليه أحد إلا من باب قصير كهيئة الراكع لله عزوجل فأدار الباقلاني ظهره للباب ودخل الباب بظهر يمشي القهقرى فلما وصل إلى استدار وسلم عليه فعرف الملك ذكاءه وعلمه وأخذ منه الرسالة .
وأقام حفلة ودعا إليها القاضي وأحضر في الحفلة آلة طرب تسمى بالأرغل ليستفز عقله بها وكان لا يسمعها أحد إلا طرب واستخف .
فلما عزف عليها وسمع صوتها القاضي خا على نفسه أن يظهر عليه حركة ناقصة بحضرة ملك الروم فجرح رجله جرحاً وخرج دم كثير فانشغل بالألم عن الطرب , وتعجب الملك , ثم عرف الحقيقة .
وأعجب من علو همته وصدق عزيمته لأن هذه الآلة لا يسمعها أحد إلا طرب شاء أم أبى .
(قضاة شرفوا وجه التاريخ / محمود حبابة).

7-الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله :
يقول الأستاذ عبد العزيز البدري : يذكر المؤرخون الثقات أن الملك الصالح خاف من نجم الدين بن أيوب حاكم مصر فتحالف مع الإفرنج الصليبيين ليساعدوه على نجم الدين , وسلم إليهم مقابل هذه المساعدة قلعة صفد وبلادها وقلعة شقيف وبلادها , ومناصفة صيدا وطبرية وأعمالها : جبل عامر وسائر بلاد الساحل, كانت مواقع مهمة .
وزيادة على ذلك أذن الملك إسماعيل للفرنج في دخول دمشق وشراء السلاح , فقام العز بن عبدالسلام على المنبر يوم الجمعة وذم الملك على هذه الخيانة , وكشف خطورتها للأمة , وقطع من الخطبة الدعاء له , ودعا بدعاء منه : ( . . اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد تعزّ فيه أوليائك وتذلّ فيه أعدائك , ويُعمل فيه بطاعتك , ويُنهى فيه عن معصيتك ) . والناس يضجون بالدعاء .
وأفتى بحرمة بيع السلاح للصليبيين .
وكان الملك إسماعيل غائباً في دمشق ,فأُخبر بذلك , فورد كتابه بعزل العز بن عبدالسلام عن الخطابة واعتقاله , وأرسل إليه رسولاً يقول له : إذا أردت العودة إلى مناصبك فعليك الإنكسار إلى السلطان وتقبيل يده . فقاللشيخ : والله يا مسكين , ما أرضاه أن يقبل يدي فضلاً عن أن أقبل يده يا قوم أنتم في وادٍ وأنا في وادي , الحمدلله الذي عافاني مما أبتلاكم به .
ولما قدم الملك إلى دمشق أفرج عنه , وجعل عقابه بالإقامة الجبرية بداره , وأن لا يفتي الناس .
ثم أطلق سراحه بعد ذلك وتوجه إلى مصر .
( طبقات الشافعية الكبرى 8/215 الإسلام بين العلماء والحكام ص76 ردود على أباطيل وشبهات حول الجهاد / عبدالملك البراك ).
موقف آخر : كان العز بن عبدالسلام يشن الحرب على الباطل وأصحاب البدع والخرافات , فشوشوا عليه عند الملك الأشرف موسى بن العادل سلطان دمشق , فعزله عن الخطابة والفتوى واعتقله وأمره بعدم الإجتماع بأحد , وعدم الفتوى فقال : إن هذا من نعم الله علينا , والسعيد من لزم بيته وبكى على خطيئته , واشتغل بطاعة ربه , وهذه نعمة كبيرة أجراها الله على يد السلطان , وهو بها غضبان وأنا بها فرحان , وعندما علم السلطان بما قاله العز بن عبدالسلام . قال : ماذا أفعل ؟ هذا رجل يرى العقوبة نعمة . وظل الشيخ معتقلاً ثلاثة أيام حتى علم بما حدث له الشيخ جمال الدين الحصيري شيخ الحنفية بدمشق , فذهب إلى الملك الأشرف وقال : إيش بينك وبين ابن عبدالسلام ؟ هذا رجل لو كان في الهند أو في أقصى الدنيا لكان عل السلطان أن يسعى وأن يجتهد في حضوره لبلده , لتتم بركته عليه وعلى بلاده , ويفتخر به على سائر الملوك , فقال السلطان : نستغفر الله مما جرى , ونستدرك ما فرطنا في حقه , لقد غلطنا في حق ابن عبدالسلام غلطة عظيمة , وأرسل إليه يسترضيه , ويطلب منه زيارته والدعاء له , فذهب إليه الشيخ فقال له السلطان : اجعلني في حلٍّ ,وادع لي وانصحني , وقبل يد الشيخ . ( قضاة شرفوا وجه التاريخ ص 95).

8-شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
قال الأستاذ البدري : وردت الأنباء في أواخر سنة 698 هـ بزحف غازان التتري وجيشه من إيران إلى حلب , وفي وادي سلمية يوم 27 من ربيع الأول سنة 699هـ التقى جمع غازان بجمع الناصر بن قلاوون , وبعد معركة حامية الوطيس هزم جمع الناصر وولى الجند وأمرائهم الأدبار , ونزح أعيان دمشق إلى مصر يتبعون سير الناصر , حتى خلت دمشق من حاكم أو أمير أو أعيان البلاد , ولكن شيخ الإسلام بقي صامداً مع عامة الناس , فاجتمع شيخ الإسلام مع من بقي من أعيان البلاد , واتفق معهم على تولي الأمور , وأن يذهب على رأس وفد من الشام لمقابلة غازان , فقابله في بلدة النبك ,ودارت بينهما مناقشة عنيفة , بل محاسبة شيخ الإسلام لغازان على تصرفه هذا ونكثه للعهد وكلمه كلاماً قوياً شديداً , أشار إليه ابن كثير في تاريخه , وفصله كما سمعه من الشيخ الصالح أبي عبدالله محمد بن عمر البالسي الذي كان من أعضاء وفد القابلة .
قال البالسي : إن الشيخ ابن تيمية قال لغازان وترجمانه يترجم كلام الشيخ : أنت تزعم أنك مسلم , ومعك قاض وإمام وشيخ مؤذنون على ما بلغنا , فغزوتنا وبلغت بلادنا على ماذا ؟
وأبوك وجدك كانا كافرين وما غزوا بلاد الإسلام بعد أن عاهدونا , وأنت عاهدت فغدرت , وقلت فما وفيت , .. وجرت لابن تيمية مع غازان أمور قام بها ابن تيمية كلها لله , وقال الحق ولم يخش إلا الله عزوجل .
ثم قرب غازان إلى الوفد طعاماً , فأكلوا إلا ابن تيمية , فقيل له : ألا تأكل ؟ فقال : كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام الناس , وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس ؟ وغازان مصغٍ لما يقول شاخص إليه لا يعرض عنه .
وإن غازان من شدة ما أُوقع في قلبه من الهيبة والمحبة سأل من هذا الشيخ ؟ إني لم أر مثله , ولا أثبت قلباً منه , ولا أوقع من حديثه في قلبي , ولا رأيتني أعظم انقياداً لأحد منه ؟!
فأخبر بحاله , وما هو عليه من العلم والعمل , ثم طلب منه غازان الدعاء , فقام الشيخ يدعو , فقال : اللهم إن كان عبدك هذا إنما يقاتل لتكون كلمتك العليا , وليكون الدين كله لك فانصره وأيده وملكه البلاد والعباد , وإن كان قد قام رياءً وسمعةً وطلباً لدنيا ولتكون كلمته هي العليا وليُذل الإسلام وأهله فاخذله وزلزله ودمّره واقطع دابره , وغازان يؤمن على دعائه, ويرفع يديه .
قال البالسي : فجعلنا نجمع ثيابنا خوفاً من أن تتلوث بدم ابن تيمية إذا أمر بقتله .
فلما خرجنا من عنده قال قاضي القضاة نجم الدين وغيره : كدت أن تهلكنا وتهلك نفسك , والله لا نصحبك من هنا .
فقال : وأني والله لا أصحبكم .
قال البالسي : فانطلقوا عصبة , وتأخر هو في خاصة نفسه , ومعه جماعة من أصحابه , فتسامعت به الخواتين والأمراء أصحاب غازان , فأتوه يتبركون بدعائه , وهو سائر إلى دمشق , والله ما وصل إلى دمشق إلا في نحو ثلاثمائة فارس في ركابه , وكنت أنا من جملة من كان معه , وأما أولئك الذين أبوا أن يصحبوه فخرج عليهم جماعة من التتار فشلحوهم أي سلبوهم ثيابهم وما معهم . ( الإسلام بين العلماء والحكام ص77 , ردود على أباطيل وشبهات حول الجهاد / عبدالملك البراك ص 276).

9-أحمد بن نصر الخزاعي :
كان من أهل الحديث قائماً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ,أحضره الخليفة العباسي الواثق بالله من بغداد إلى سامراء مقيداً وسأله عن القرآن , فقال :ليس بمخلوق , وعن الرؤية في القيامة .
فقال : كذا جاءت الرواية , وروى له الحديث .
فقال الواثق له : تكذب , فقال للواثق :بل تكذب أنت .
فقال : ويحك ! يُرى كما يُرى المحدود المتجسم ويحويه مكان ويحصره الناظر ؟
إنما كفرت بربٍّ صفتُه , ما تقولون فيه ؟
فقال جماعة من فقهاء المعتزلة الذين حوله : هو حلال الضرب , فدعا بالسيف , وقال : إذا قمت إليه فلا يقومنّ أحدٌ معي , فأني أحتسب خُطاي إلى هذا الكافر الذي يعبُد رباً لا نعبُدُهُ ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها , ثم أمر بالنٍّطع , فأجلس عليه هو مقيد , فمشى إليه , فضرب عنقه , وأمر بحمل رأسه إلى بغداد , فصلب بها , وصلبت جثته في سر من رأى " سامراء " , واستمر ذلك ست سنين إلى أن ولي المتوكل , فأنزله ودفنه .
ولما صلب كتب ورقة وعلقت في أذنه , فيها : هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك , دعاه عبدالله الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه , فأبى إلا المعاندة , فعجله الله إلى ناره .
ووكل بالرأس من يحفظه ويصرفه عن القبلة برمح , فذكر الموكل به أنه رآه بالليل يستدبر إلى القبلة بوجهه , فيقرأ سورة يس بلسانٍ طلق , ورويت هذه الحكاية من غير وجه . ( تاريخ الخلفاء / الحافظ السيوطي ص349 ).

10- الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وفتنة خلق القرآن :
هذه الفتنة التي كانت السبب فيما عرف بـ( ايام المحنة ) , حدثت حين ابتليت الامة الاسلامية بفئة ضالة تسمى ( المعتزلة ) , هذه الفئة كان لها ضلالات كثيرة في العقيدة , و بعض هذه الضلالات وصلت الى حد الكفر و العياذ بالله .
وكان احد هذه الضلالات التي ابتدعها و سار عليها بعض اتباع هذه الفرقة ما يسمى ببدعة ( خلق القرءان ) .
فما اجمع عليه المسلمون و العلماء منذ عهد النبي صلى الله عليه و سلم و صحابته الى عصرنا ان القرءان كلام الله تعالى المنزل على عبده محمد صلى الله عليه و سلم , المتعبد بتلاوته , و المعجز باقصر سورة منه . هذا هو اعتقاد اهل السنة و المسلمين المؤمنين بالله و رسوله و كتابه .
فجاءت هذه الفرقة الضالة فقالوا كلا , ان القرءان مخلوق كسائر المخلوقات , و اعتمدوا في بدعتهم على طرق الفلاسفة و الزنادقة من اليونايين و المتكلمين .
هنا قام علماء الامة الاسلامية و على رأسهم الامام احمد بن حنبل رحمه الله تعالى فتصدوا لهذه البدعة , و ردوها على قائليها بالادلة الصحيحة من الكتاب و السنة .
ولكن للاسف كانت هذه الفرقة الضالة تتقرب من الحكام حتى نسجت خيوطها حول الخليفة العباسي المأمون , فاتبع قولهم و فرضه على المسلمين بالقوة , و امر بحبس العلماء الذين يردون على هذه البدعة و تعذيبهم حتى يقولون بمثل قولهم .
فقال هذا الخليفة : إن القرآن مخلوق.
واستخدم السيف ليثبت هذه القضية في الأمة، وقتل ما يقارب ألفاً من من علماء الأمة.. من زملاء الإمام أحمد، وملأ بهم السجون، فبعضهم أجاب خوفاً من السيف، وبعضهم رفض، وقال: لا أجيب؛ فقتل في الحال، ومنع التدريس في المساجد، ومنعت الخطابة إلا للمعتزلة، وانتشر الشر الكثير، فنصر الله الإسلام بالإمام أحمد بن حنبل، وقف وحده، وقال: لا والله، القرآن كلام الله، فاستدعي إلى الخليفة.
فلما اشتد الامر على العلماء و اهل السنة استدل بعضهم بقول الله تعالى :
( الا من اكره و قلبه مطمئن بالايمان ) , ما عدا القليل منهم , و منهم امام اهل السنة احمد بن حنبل رحمه الله تعالى الذي تمسك بكتاب الله تعالى و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم .
و هنا امتحن الامام احمد بن حنبل امتحانا شديدا , تراجع عنه الكثيرون , و من شدة ما يلقي من عذاب زاره رجل فقال له : يا امام , ألم يقل الله تعالى : ( و لا تقتلوا انفسكم ) , فقل كلمة تتخلص بها مما انت فيه .
فرد الامام احمد رحمه الله تعالى : ( انظر ماذا بالخارج ) .
فنظر الرجل فوجد الطلبة و عامة المسلمين بايديهم المحابر والاوراق ينتظرون كلمة الامام ليكتبوها
فقال للامام : ( رأيت كذا و كذ ) .
فقال الامام احمد رحمه الله تعالى : ( أقتل نفسي و لا اضل امة محمد صلى الله عليه و سلم ) .
و استمر العذاب و الابتلاء من الله تعالى , حتى مات المأمون , و يروى في ذلك ان المأمون لما يئس واليه من ارجاع الامام عن الحق ارسل اليه المأمون فقال : ( ائتوني به , فان رجع و الا ضربت عنقه ) , فاخذ الامام احمد من بلده مقيدا في السلاسل ذاهبا الى المأمون .
و في الطريق بكى الحارس المكلف بنقل الامام بكاء شديدا , و الله عز و جل يلقي محبة اوليائه في قلوب الناس , و قال الحارس للامام : ( اني اعلم اني اقودك لموتك فاهرب ) , فقال الامام : ( ان ذهبت و علم المأمون قتلك ) , و رفض ان يفر , فقال الحارس : ( اني ابريء نفسي من قتلك , فاني علمت ان المأمون قد عزم انك ان وصلته و لم ترجع ليقتلنك ) , فخر الامام احمد راكعا على ركبتيه و دعا ربه عز و جل قائلا : ( يا سيدي , ان عبدك هذا قد غره حلمك عليه فطغى و تمادي حتى اراد قتل اوليائك و معاداة دينك , فلا تجمع بيني و بينه ) .
فلم يصل الامام احمد اليه حتى وصلهم خبر موت المأمون .
و تولى اخو المأمون الخلافة , و كان رجل حرب و شجاعة و جهاد , لكنه لم يكن له في العلم نصيب كبير , و قبل ان يموت المأمون اوصي اخاه الا يترك الامام احمد حتى يقول بمثل قولهم , فاستمر التعذيب على الامام احمد رحمه الله بعد موت المأمون , و كان المعتصم اخو المأمون يأتي الى الامام فيقول : ( يا احمد , اني لست بصاحب هذا الامر , و لكن قد اوصيت بذلك ) .
وصبر الإمام " أحمد بن حنبل " على السجن والتعذيب وضرب السياط أمام فتنة خلق القرآن التي اجتاحت بلاد المسلمين وقتها , وكادت أن تغير عقيدة السلف الصالح .
وكان رحمه الله سبباً في هدم تلك الفرية وزوال شرها وإبطال كيد أصحابها , وهم مَنْ ؟ هم مِنْ أصحاب السلطة والنفوذ من الخلفاء والوزراء وأتباعهم وأشياعهم .
وقد كان لثبات ذلك الإمام الجليل بمفرده الأثر العظيم في كتابة حياة جديدة لعقيدة الأمة , بعد أن كادت تُغتال على أيدي حفنة من الضالين المبتدعين فقد قيل للإمام حينما قدم على المعتصم لامتحانه في مسألة خلق القرآن قيل له : إن أمير المؤمنين قد حلف أن لا يقتلك بالسيف , وأن يضربك ضرباً بعد ضرب , وفي اليوم الثالث اختلى به المعتصم شخصياً , وحدثه أنه شفيقٌ عليه كشفقته على هارون ابنه ولكن "الإمام أحمد" أجابه بمثل إجاباته السابقة , ولم يتراجع عن شيء منها على الإطلاق , فلما ضجر المعتصم قال للإمام : عليك لعنة الله لقد طَمِعْتُ فيك ! خذوه , وأمرهم أن يخلعوا ملابسه دون الإزار , ثم شدوا وثاقه ثم ضربوه بالسياط , وكان عدد الجلادين الذين يضربونه كبيراً جداً , وكانوا يتناوبون الضرب عليه , وكان أحدهم ينخسه بقائم سيفه وهو يقول له : تريد أن تغلب هؤلاء كلَّهم ؟! وكانوا يضربونه كل يوم حتى يسقط مغشياً عليه ويكررون ذلك في اليوم التالي وقد أحدثت سياط الجلادين آثاراً عظيمة على جسد الإمام الذي كان شيخاً كبيراً وقتها , حتى إن الرجل الذي ذهب ليعالجه من جروحه بعد ذلك قال : والله لقد رأيت مِنْ ضربِ ألف سوط , ما رأيت ضرباً أشد من هذا ! حتى إن آثار السياط ظلت باقية على ظهر ذلك الإمام الجليل حتى مات , ومن أبلغ ما حدث مع "الإمام أحمد رحمه الله في هذا الأيام : أنه كان يخشى سقوط سراويله , وظهور عورته , أثناء ذلك العذاب , أمام تلك الجموع الغفيرة التي كانت تشهد تعذيبه , وكان يكثر الدعاء أن لا تنكشف عورته , فاستجاب الله له في ذلك .
ومما حصل مع الإمام أحمد بن حنبل حيث يقول : أُخذت من بيتي وسط الليل وأنا أصلي، فوضع الحديد في يدي وفي رجلي حتى كان الحديد أثقل من جسمي القيود التي حمل فيها أثقل من وزنه هو ووضع على فرس ، قال: فلما وضعت على فرس، أتيت أتمسك فما استطعت أن أتمسك، فكدت أسقط ثلاث مرات، كل مرة أقول : اللهم احفظني ! فكان يردني الله حتى أتساوى على الفرس : ( احفظ الله يحفظك ) , وكان الجندي الذي معه يضرب الفرس علّ الإمام أحمد يسقط على وجهه .
قال : فلما أدخلت السجن سحبت على وجهي فنـزلت ، قال: فكنت أستغفر الله ، فنزلت في آخر الليل ، قال : فلا أدري أين القبلة ؟ ولا أدري أين أنا ، في ظلام وفي وحشة لا يعلمها إلا الله ، فكنت أقول : ( حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) .
قال : فمددت بيدي فإذا بماء بارد ، فتوضأت منه وقمت أصلي إلى الفجر .قال : فلما أصبح الصباح ، حملت على الفرس ثانية ، وما طعمت طعاماً ، وكدت أسقط من الجوع ، فأدخلت على المعتصم الخليفة العسكري الثاني ، صاحب عمورية بعد المأمون . قال: فلما دخلت عليه هز السيف في وجهي ، وقال : يا أحمد ! والله إني أحبك كابني هارون ، فلا تعرض دمك لنا .
فقال الإمام أحمد : ائتوني بكتاب الله أو بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , حاول المعتصم معه ليجيب ويقول : القرآن مخلوق ، فرفض ، فدعا بالجلادين ، ودُعي بجبار من الجبابرة ؛ رأس الحرس الذي يتكون من خمسين ألفاً ، يرأسه عجيف . فقال المعتصم لـعجيف : اضرب هذا الرجل أي : الإمام أحمد قال : فجلده مائة وستين سوطاً حتى غشي عليه ، ثم استفاق ، وكان يقول : لا إله إلا الله حسبي الله ونعم الوكيل ؛ لأنها أقوى الكلمات ، إنها قوة هائلة ! إنها قوة فتاكة ! حسبي الله ونعم الوكيل!
يقول ابن عباس رضي الله عنهما : " قالها إبراهيم فنجاه الله من النار ، وقالها محمد فنجاه الله من كيد الكفار " صلى الله على رسوله وسلم تسليماً كثيراً.
ورفض أن يجيب حتى تملغ وتجلد ظهره من كثرة الجلد ، فرفع على الفرس وأعيد ، وبقي في السجن ثمانية وعشرين شهراً ، وسرد الصيام وهو في السجن في هذه الفترة كما قال ابنه عبد الله ، فما أفطر يوماً واحداً ، ثم في الأخير عرض عليه السيف مرات ورفض ، فلما أعجزهم وأكلَّهم وأملَّهم أعادوه إلى بيته ، فأنزلوه وهو جريح . يقول ابنه عبد الله : دخل أبونا علينا في الليل بعدما أُطلق من السجن ، فأنزلناه من على الفرس ، فوقع من التعب ومن الإعياء ومن الضعف والهزال والمرض على وجهه ، أتدرون يا علماءنا ماذا كان آخر كلماته ؟
قال : اللهم اعف عمن ظلمني ، اللهم اعف عمن شتمني ، اللهم سامح من ضربني ، اللهم سامح من سجنني إلا صاحب بدعة يكيد بها دينك فلا تسامحه.. أي : عدو الإسلام لا تسامحه ، أما عدوي لنفسي فسامحه .
يقول الشيخ أحمد شاكر تعليقاً على موقف الإمام أحمد رحمه الله : أما أولو العزم من الأئمة الهداة ، فإنهم يأخذون بالعزيمة ، ويحتملون الأذى ويثبتون ، وفي سبيل الله ما يلقون أنهم أخذوا بالتقية ، واستساغوا الرخصة لضل الناس من ورائهم ؛ يقتدون بهم ولا يعلمون أن هذه تقية ، وقد أُتي المسلمون من ضعف علمائهم في مواقف الحق .. لا يجاملون الملوك والحكام فقط !
بل يجاملون كل من طلبوا منه نفعاً أو خافوا ضرّاً في الحقير والجليل من أمر الدنيا ، ولقد قال رجل من أئمة هذا العصر المهتدين : " كأن المسلمين لم يبلغهم من هداية كتابهم فيما يغشاهم من ظلمات الحوادث غير قوله تعالى : (( إلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً )) ، ثم أصيبوا بجنون التأويل فيما سوى ذلك .
و ظلت الشدة و الابتلاء مستمرة عهدا اخر , و لكن يأبى الله الا ان يتم نوره و لو كره الكافرون , و استجاب الله تعالى دعاء عباده المؤمنين , فتوفي المعتصم و تولى بعده اخوه المتوكل , الذي هداه الله تعالى الى الحق , ففك اسر الامام , و اكرمه و قربه , وقال له اطلب ما شئت من المال و غيره , فرفض الامام احمد رحمه الله تعالى ان يأخذ منه شيئا , و حمد الله تعالى على ان نجاه و اظهر الحق و ازهق الباطل .
و صار موقف الامام رحمه الله و ثباته على الحق موضع ثناء العلماء منذ عصر الامام و حتى عصرنا هذا , حتى قال بعض اهل العلم : ( لقد نصر الله الاسلام برجلين يعني في موقفين لم يكن معهما احد ابي بكر عند الردة , و احمد بن حنبل في فتنة خلق القرءان ) .
و قال اخر : ( يريدون منا ان نكون مثل احمد , و لا والله لا نستطيع ان نكون مثل احمد , انه دخل المحنة فخرج منها انقى و خيرا مما دخل , كما يدخل الذهب الاحمر الى النار فيصقل و يصفى من الشوائب ) .
رحم الله الامام , ووقانا شر البدع و الضلالات , و شر الكفر و اهله , و هدانا سنة نبيه محمد صلى الله عليه و سلم و الثبات عليها حتى نلقى الله تعالى و نحن عليها .

وممن سجن من العلماء :
قال الإمام الذهبي رحمه الله : بلغني أن القاضي عياض قُتل بالرماح لكونه أنكر عصمة ابن تومرت.
التابعي الجليل سعيد بن المسيب سجنه الأمويون عند رفضه البيعة لاثنين بولاية العهد بعد الخليفة عبد الملك .
التابعي الجليل ومفسر كتاب الله الكريم مجاهد بن جبير ، كان مع ابن الأشعث .
الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله ، سحن في عهد المنصور وعندما أخرج منع من الفتوى والجلوس للناس والخروج من المنزل فكانت تلك حاله إلى أن توفي .
الإمام مالك بن أنس رحمه الله ، وكان مما أصابه أن جرد وقيد وضرب بالسياط حتى انخلعت كتفه وارتكب منه أمر عظيم ، وبقي بعد الضرب لا يستطيع رفع يديه . وكان ذلك من والي المدينة جعفر بن سليمان وقيل أنه رأي رآه من دون علم أبا جعفر المنصور .
قلت أنا سيف : لم أطلع على أنه سجن ولكن من فعل هذا لا يعجزه السجن .
الإمام الشافعي رحمه الله ، وسجن ونقل إلى بغداد في الوشاية الظالمة باتهامه بالعلوية وقد عرض على السيف ولكن شفع له محمد بن الحسن .
وسجن سفيان الثوري رحمه الله ، لإنكاره على أبا جعفر المنصور . وكذلك ابن جريج رحمه الله وعباد بن كثير رحمه الله .
الإمام ابن حزم الظاهري ، سجن بعد توليه الوزارة للمستظهري فقد سجن هو وابن عمه ، وكان ذلك سنة 416 هجري ، كما كان قد سجن قبل ذلك أيام خيران صاحب المرية .
كما أنه وقع في الأسر في أواسط 409 هجري بعد هزيمة المرتضي أمام جيوش غرناطة .
ابن الحاجب المالكي ، لإشتراكه مع العز بن عبد السلام في الإنكار .
شيخ الإسلام ابن تيمية : وكان مولده ( 661) هجري ووفاته (728 )
في الفترة الواقعة بين ( 693-728 ) هجري أدخل ابن تيمية السجن ست مرات على فترات متقطعة بلغ مجموعها ست سنوات .
وكان السجن الأخير في 16 شعبان 726 هجري على يد صديقه وتلميذه الناصر قلاوون .
وبعد اعتقاله بخمسة أيام جرى اعتقال عدد من أتباعه وتلاميذه بينما اختفى البعض الآخر وجرى البحث عنهم وجلدوا بالسياط ثم أطلق أكثرهم ما عدا ابن قيم الجوزية الذي استمر بالسجن حتى بعد وفاة ابن تيمية .
ثم تبع ذلك صدور بلاغ موقع من الناصر أذيع في القاهرة وبقية المناطق .
وتضمن البلاغ مهاجمة آراء ابن تيمية و أنها تخالف عقائد السلف كما زعموا وتتناقض مع إجماع العلماء و أولي الأمر ، وتشوش عقول العامة .
كذلك منع تداول موضوعات ابن تيمية والتهديد لمن يفعل ذلك بالموت ، وإجبار الحنابلة على شجب هذه الآراء أو الحكم عليهم بالسجن .
ولقد ألقي في السجن هذه المرة بدون كتب ولا أوراق ولا حبر ولا قلم .
ثم توفي رحمه الله في سجنه 728 هجري .
الإمام ابن القيم ، كما سبق . وقد حبس مدة لإنكاره شد الرحال إلى قبر الخليل .
الأمير الصنعاني عالم اليمن وبقية السلف رحمه الله .
وكان سجن مرتين ، الأولى : اتهامه بالخروج على المتوكل .
الثانية : في إحدى خطب الجمعة نسي الدعوة للإمام في عصره فقامت عليه العامة بتحريض من بعض العلماء فسجن .
تنبيه :
الغريب والمحزن أن هؤلاء الأئمة كان سجنهم لأسباب عند جمعها ولم أقصد حصرها , أسباباً واهية وظالمة نذكر منها :
1- الحسد كما حصل لأبي شامة المقدسي .
2- التعصب المذهبي كم حصل للإمام النسائي .
3- فتاوى و آراء يسوغ فيها الخلاف ( كالطلاق والمسابقة ... وغير ذلك ) .
أما من المتأخرين !!! فقد سبق المنع .
ولكن بعد زمن سيخرج لنا طبري وابن كثير وذهبي يذكرون ما أُخفي وما يخفى لأن التأريخ لا يزور .
للإستزادة راجع :
فقه الإبتلاء / محمد أبو صعيليك/ دار البيارق .
الفكر التربوي عند ابن تيمية / ماجد الكيلاني / دار التراث .



هؤلاء العلماء الأتقياء ثبتوا رحمهم الله أمام ظلم الظالمين , وعلموا الأجيال حقيقة الثبات في سبيل رب العالمين , علموهم أن ثباتَ المسلمِ على مَبدئهِ ، هو انتصار باهر ، وفوز ساحق ، حيث يعلو على الشهوات والشبهات ، ويجتاز العقبات بشجاعة وثبات ، بل إنه لا يمكن أن يتحقق الانتصار الظاهر إلا بعد تحقق هذا الانتصار .
فها همُ الأنبياءُ والعلماءُ يُبتلونَ وهم صفوة البشرِ على الإطلاقِ , فلماذا يفزع أحدنا إذا أَصابهُ ابتلاءٌ أو أصابته فتنة ؟!
وربما يخسرُ الدنيا والآخرة ، قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾[الحج:11].
فطريق الجنة ليس مفروش بالورود , إنما هو طريق شائك قال تعالى : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ﴾[البقرة:214] .
وقال عليه الصلاة والسلام : «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» رواه مسلم.
فلا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقاومة الأعداء , وقال أيضا : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾[آل عمران:142].
فَكَّرْتُ فِي الْجَنَّة الْعُلْيِا فَلَمْ أَرَهَا _ تُنَال إِلا عَلَى جِسْرٍ مِنَ التَّعَبِ
فِي الصَّالِحَاتِ بِإِخَلاصٍ لِخَالِقنَا __ اجْهَدْ زَمَانَكَ إِنَّ الْوَقْتَ مِنْ ذَهَبِ
فإذا ما قدرَ الله الابتِلاء وحل , فاعلم أيها العبد المسلم أنك قد وضعت قدمك الآن فِي أول طريقِ الأنبياء والعلماء ؛ فما من نبي أرسله الله إلى قومهِ إلا وابتلي في أهله أو ماله أو ولدهِ وكذبه قومه ؛ يقول ابن القيم رحمه الله : (( أَين أَنت؟! والطريق : طريقٌ تعِبَ فيه آدمُ ، وناح لأجله نوح ، ورُمي في النار الخليل ، واضطُجع للذبح إسماعيل ، وبيع يوسفُ بثمنٍ بخسٍ ، ولبث فِي السجن بضع سنينَ ، ونشر بالمنشار زكريا ، وذُبح السيدُ الحصورُ يحيى ، وقاس الضرَّ أَيوب ، وزاد على المقدار بكاء داود ، وسار مع الوحش عيسى ، وعالج الفقر وأَنواع الأَذى محمدٌ صلى الله عليه وسلم )) . (الفوائد: ص56 ) .

واعلم أن سنة الابتلاء من سنن الله في كونه ، وهي واقعة لا محالة , لِيمحصَ الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين , ليتميز من يعبد الله ممن يعبد الطاغوت.
وهو -والله- رغم مرارة طعمه فيه خير كثير , وأجر وفير , وفوائد جمة قَالَ أَبَو هُرَيْرَةَ رضي الله عنهَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ » رواه البخاري.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « مَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ فِي جَسَدِهِ وَمَالِهِ ، حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى ، وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ » رواه الحاكم في المستدرك .
ولابد من الرضا والتسليم لأمر رب العالمين فعَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : «عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَءِ ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا ، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ » رواه ابن ماجه في سننه.

واعلم أَن كل هذا سيزولُ وسيُبدلكَ ربك خيرًا منهُ إن شاء الله في الجنة, في يومٍ لو غُمس أَحدُ المؤمنِين غمسةً في الجنة وهو أَشد الناس بلاءً في الدنيا فيقولُ : ما رأَيتُ بلاءً قط !
ينسى كلَّ بلائه وشقائه بغمسةٍ واحدةٍ ، سبحان المنعمِ العظيم ؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يُؤْتَى بِأَشَدِّ المؤْمِنِينَ ضُرًّا وَبَلاءً ، فَيُقَالُ : اغْمِسُوهُ فِي الجَنَّةِ ، فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً ، فَيُقَالُ : أَيْ فُلانُ : هَلْ أَصَابَكَ خَيْرٌ قَط أَوْ بَلاَءٌ ؟! فَيَقُولُ : مَا أَصَابَنِي قَطّ ضُرٌّ أَوْ بَلاَءٌ » رواه أحمد ومسلم.
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : «إِنَّ مُوسَى قَالَ : أَيْ رَبِّ ، إِنَّ عَبْدَكَ الْمُؤْمِنَ تَقْتُرُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا ، قَالَ : فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا فَيَقُولُ: يَا مُوسَى ، هَذَا مَا أَعْدَدْتُ لَهُ . فَيَقُولُ مُوسَى : وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ ، لَوْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ يُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ مُنْذُ يَوْمِ خَلَقْتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَكَانَ هَذَا مَصِيرَهُ لَمْ يَرَ بُؤْسًا قَطُّ.
قَالَ : ثُمَّ قَالَ مُوسَى : أَيْ رَبِّ ، عَبْدُكَ الْكَافِرُ تُوَسِّعُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا ، قَالَ : فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنَ النَّارِ فَيَقُولُ : يَا مُوسَى ، هَذَا مَا أَعْدَدْتُ لَهُ . فَقَالَ مُوسَى : أَيْ وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ ، لَوْ كَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا مُنْذُ يَوْمَ خَلَقْتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَانَ هَذَا مَصِيرَهُ ، لَمْ يَرَ خَيْرًا قَطُّ » رواه أحمد.
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ ؛ أَنَّ مُوسَى ، أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ ، قَالَ : يَا رَبِ، كَيْفَ يَكُونُ هَذَا مِنْك ؟ أَوْلِيَاؤُك فِي الأَرْضِ خَائِفُونَ يُقْتَلُونَ ، وَيُطْلبُونَ وَيُقَّطَّعُون ، وَأَعْدَاؤُك يَأْكُلُونَ مَا شَاؤُوا ، وَيَشْرَبُونَ مَا شَاؤُوا ، وَنَحْوَ هَذَا ، فَقَالَ : انْطَلِقُوا بِعَبْدِي إِلَى الْجَنَّةِ ، فَيَنْظُرُ مَا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ قَطُّ ، إِلَى أَكْوَابٍ مَوْضُوعَةٍ ، وَنَمَارِقَ مَصْفُوفَةٍ وَزَرَابِيِّ مَبْثُوثَةٍ ، وَإِلَى الْحُورِ الْعِينِ ، وَإِلَى الثِّمَارِ ، وَإِلَى الْخَدَمِ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ، فَقَالَ : مَا ضَرَّ أَوْلِيَائِي مَا أَصَابَهُمْ فِي الدُّنْيَا إِذَا كَانَ مَصِيرُهُمْ إِلَى هَذَا ؟ ثُمَّ قَالَ : انْطَلِقُوا بِعَبْدِي ، فَانْطَلِقْ بِهِ إِلَى النَّارِ ، فَيَخْرُجُ مِنْهَا عُنُقٌ فَصُعِقَ الْعَبْدُ ، ثُمَّ أَفَاقَ ، فَقَالَ : مَا نَفَعَ أَعْدَائِي مَا أَعْطَيْتُهُمْ فِي الدُّنْيَا إِذَا كَانَ مَصِيرُهُمْ إِلَى هَذَا ؟ قَالَ : لاَ شَيْءَ . " ( مصنف ابن أبي شيبة : ج13ص 115) .
اللهم فاجعلنا من الصادقين الصابرين المخلصين أعمالهم لك يا رب العالمين وأعف عنا وعافنا وتب علينا وأقبل منا صالح أعمالنا واجعلها خالصة لوجهك الكريم , واجعل جهادنا وهجرتنا وأسرنا وابتلائنا في سبيلك وفي ميزان حسناتنا في يوم مشهود يومٌ لا ينفع به مالٌ ولا بنون , لا إاله إلا أنت سبحانك إنّا كنا من الظالمين نستغفرك ونتوب إليك ونشهد ألا إله إلا أنت , أنت حسبنا ونعم الوكيل .
والحمدلله رب العالمين .

" تم بحمدلله تعالى "


كتبه . إسماعيل مصلح أبوسويد .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
حالات الأخذ بالرخصة والعزيمة حال الإكراه " للعالم ولغيره "
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
http://bahaj.ahlamontada.com :: الاقسام الاساسية :: ..::: مجالس الشريعة والحياة :::..-
انتقل الى: