http://bahaj.ahlamontada.com



 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تزاحم المفاسد في موجب الإكراه لدى المُكره .

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الياس الحجاجي



ذكر عدد الرسائل : 13
العمر : 37
العمل/الوظيفة : مدرس
الهويات : المطالعة
تاريخ التسجيل : 24/11/2011

مُساهمةموضوع: تزاحم المفاسد في موجب الإكراه لدى المُكره .   السبت 3 مارس - 11:34

سلسلة مسائل في الإكراه :
المسألة الأولى :

تزاحم المفاسد
في موجب الإكراه
لدى المُكره .


جمع وإعداد . إسماعيل مصلح أبوسويد .
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين , والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ,,,,
أما بعد ,,,
لما كان العلمُ للعملِ قريناً وشافعاً وشرفه لشرف معلومه تابعاً كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد وأنفعها علم أحكام أفعال العبيد ولا سبيل إلى اقتباس هذين النورين وتلقي هذين العلمين إلا من مشكاة من قامت الأدلة القاطعة على عصمته وصرحت الكتب السماوية بوجوب طاعته ومتابعته وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
لذا فقد وجب علينا أتباع نهجه علية الصلاة والسلام والعمل بما ورد إلينا عن طريق السلف في تحقيق التوحيد وما يتعلق به من علم أحكام أفعال العبيد , وإن مما يتعلق بأحكام أفعال العباد معرفة مقاصد الشريعة ومعالمها ومراميها وغاياتها وما يكلف به العباد من سائر التكاليف الشرعية كالعقائد والعبادات والمعاملات ومايترتب عليها وماقد يؤثر بها من أعراض ومشاق وأعذار , فمن مقاصد الشريعة حفظ مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم وجلب التيسير عند المشقة .
وقد يطرأ على الإنسان من الأعراض والمشاق ما لا يطيقه كالإكراه فيترتب على ذلك أحكام أخرى أستثنائية تخرج العبد المكلف عن فعل الأحكام الأصلية كمن يكره على الكفر أو ترك بعض مسائل العقيدة أو ترك بعض العبادات أو غيرها من أمور الشريعة وتكاليفها فهذا يعذر للإكراه الحاصل بضوابطه وشروطه المعتبرة .
ولكن مع إباحة الرخصة عند الإكراه إلا أننا يجب أن نعلم أن الأخذ بالرخصة ليست على الإطلاق بل هناك أمور يجب مراعاتها وقد يكون الأخذ بالعزيمة أولى في بعض مسائل الشريعة وليس كل إكراه معتبر وإن أستوفي كثير من شروطه وضوابطه كالإكراه على القتل لا يعتبر شرعاً باجماع العلماء على ذلك .
ومعلوم لدى أهل المعتبرين أن الصبر على الأذى في الدين من لوازم الدعوة وأن هذه هي دعوة الأنبياء الدعوة إلى الله والصبر على الأذى فيها وهي أولى من الأخذ بالرخصة وإجابة الطالب إلى ما طلب من محرم تحت وطأة الإكراه ، وقد استدل أصحاب هذا القول بحديث رسول الله الذي رواه خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا ؟ فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار ، فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه ، فما يصده ذلك عن دينه ، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون . ( رواه البخاري انظر فتح الباري (12/ 316) باب الإكراه ).
ففي هذا الحديث وفي قصة بلال ، ووالدي عمار سمية وياسر وقصة خباب بن الأرت في بطحاء مكة ، وخبيب بن عدي وقصة أصحاب الأخدود وقصة الإمام أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وابن تيمية رحمهم الله وغيرهم ممن صبروا على العذاب في سبيل الله أكبر دليل على أن الصبر على الأذى أولى لمن وثق من نفسه في قوة التحمل وصلابة العقيدة . ( انظر المغني والشرح الكبير (10/ 107) وانظر تفسير القرطبي (19/ 286- 294) وانظر في ظلال القرآن، سيد قطب (م8/ج 30/ 528-530) وانظر أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (2/ 98-100) وانظر تفسير الأحكام، محمد على السايس (3/ 54، 55) وانظر روائع البيان في تفسير آيات القرآن محمد علي الصابوني (1/ 402، 403)).
إن قمة الإيمان تتمثل بأولئك الذين بلغوا القمة في الصبر والتضحية واليقين ، ولم يدفعهم الخوف أو الإكراه إلى تنفيذ أوامر الطغاة والظلمة والمجرمين فلم يهرولوا أمام أعداء الإسلام ويلهثوا تحت أقدامهم ، ويكيلوا لهم المدح الكاذب وينفذوا أوامرهم في معصية الله ، فما ظنك بمن ينفذ أوامر الطغاة وهو لم يضرب سوطا في سبيل الله ؟ كيف لو ضرب أو منع راتب شهر واحد ماذا يفعل بالإسلام والمسلمين ؟
إن مفهوم الإكراه قد اعتراه شيء من الغبش وسوء التصور عند بعض المسلمين حتى أصبح هذا الأمر مشجباً يعلق عليه المتخاذلون في نصرة الإسلام والمسلمين كل أسباب التخاذل والقصور في شأن الموالاة والمعاداة في الله .
وفي هذه السلسلة بإذن الله سأطرح بعض المسائل المتعلقة بالإكراه كلاً على حدة , وقد كانت بداية هذا المشروع العلمي لهذه المباحث أسباب ودوافع دفعة بي لأن أهتم بهذا الباب ألا وهو باب الإكراه والمسائل المتعلقة به , ومن أهم هذه الأسباب ما يطرأ ويواجه كثيراً من الدعاة والعلماء وطلبة العلم والمجاهدين والحاملين لهم هذه الدعوة من مشاق وصعوبات وإكراه حتى لا يكاد يُرى أو يُسمع عن أحد ممن يُحسب على هذه الدعوة وإن كان من صغار طلبة العلم أو مجرد ملتزم إلا وتعرض أو عانى من بعض الأحكام المتعلقة بالإكراه , لذا فقد ارتأيت وأسأل الله أن يوفقني لرؤيتي هذه أن أضع بعض هذه المسائل المتعلقة بالإكراه في مباحث مستقلة كسلسلة بعد أن كنت بحثتها في كتاب مستقل " الإكراه أحكامه وضوابطه وأثره على مقاصد الشريعة " ولكني رأيت أن هذا البحث المطول الخاص بالإكراه قد يثقل قراءته على بعض القراء أو طلبة العلم ممن يبحث عن مسألة معينة فأحببت أن أخرجها بشكل آخر كما ذكرت .
ومن مسائل الإكراه التي سأطرحها هنا بإذن الله مسألة " تزاحم المفاسد في موجب الإكراه لدى المُكره " .
وسأحاول في هذا البحث أن أبين بأذن الله المفهوم الصحيح لهذه المسألة بما فيه الكفاية من خلال بيانها وبيان أحكامها وضوابطها والمسائل المتعلقة بها في ضوء الكتاب والسنة والأقوال المعتبرة لأهل العلم , وقبل ذلك سأبين مفهوم الإكراه ومعناه وأركانه لتعلق هذه المسألة ابتداءً بالإكراه , فالله أسأل أن يوفقني ويعينني لما فيه الخير وهو ربي الهادي إلى سواء السبيل.

كتبه . إسماعيل مصلح أبوسويد .


تعريف الإكراه :
عرف الفقهاء الإكراه، بتعريفات كثيرة، بينها بعض الاختلافات اليسيرة، بحسب اختلافهم في بعض شروط الإكراه وأنواعه، وسأذكر بعض التعريفات باختصار :
يقول ابن حجر رحمه الله في معنى الإكراه : " هو إلزام الغير بما لا يريده ". ( فتح الباري (12/311)).
ويزيد ابن حزم الأندلسي رحمه الله التعريف شرحاً وبياناً ، فيقول : " والإكراه هو كل ما سمي في اللغة إكراهاً ، وعرف بالحس أنه إكراه ، كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه إنفاذ ما توعد به ، والوعيد بالضرب كذلك ، أو الوعيد بالسجن كذلك ، أو الوعيد بإفساد المال كذلك ، أو الوعيد في مسلم غيره بقتل أو ضرب أو سجن أو إفساد مال " .( المحلى (8/330)).
وعرفه الشرقاوى من الشافعية فقال في تعريفه: (الإلجاء إلى فعل الشيء قهراً) . (حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب (2/390)).
وعرفه علاء الدين عبدالعزيز البخاري الحنفي رحمه الله ، تعريفاً شاملاً ، فقال : (حمل الغير على أمر يمتنع عنه ، بتخويف يقدر الحامل على إيقاعه ، ويصير الغير خائفاً فائت الرضا بالمباشرة ).( كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي 4/482، وانظر تعريفات أخرى لأئمة المذاهب في الإكراه وأثره في التصرفات ، د. عيسى شقره 40 ،41 ، الإكراه في الشريعة د. فخري أبو صفية 21-24 ، والإكراه وأثره في التصرفات، د. محمد المعيني 29-32 وغيرها ) .

أركان الإكراه :
لاخلاف بين العلماء والأصوليين بوجود أربعة أركان أساسية يتقوم بها الإكراه ، فإن توفرت واجتمعت كلّها تحقق الإكراه ، وأما لو تخلف ركن منها ، فلا إكراه ، وهي :
الأول : المُكْرِه : وهو من يصدر منه التهديد والوعيد .
الثاني : المُكْرَه : وهو من يقع عليه التهديد والوعيد .
الثالث : المُكْرَه به : وهو نوع الضرر المتوعّد به المُكرَه .
الرابع : المُكْرَه عليه : وهو نوع ما يراد تنفيذه من المُكرَه ، سواء كان كلاماً أو فعلاً .
يقول الدكتور.عيسى زكي شقَره :" أركان الإكراه أربعة : المكِره , المكرَه , والمكره به , والمكره عليه"(الإكراه وأثرُه في التصّرفات).
ويقول الشيخ أحمد بوادي : " أركان الإكراه :
1- المُكرِه بخفض الراء : وهو الحامل لغيره على تصرف ما قهراً , سواء كان أميراً أم لصاً أو قاطع طريق والمعتبر بالمكرِه , أنه يمكنه من إيقاع ما هدد به فإنه إذا لم يكن متمكناً من ذلك فإكراهه هذيان .
2- المُكرَه بفتح الراء : وهو الذي وقع عليه الإكراه بحيث يحمله المكرِه على تصرف قول أو فعل من غير إرادته وعدم رضاه وحبه .
3- المُكره به .
4- المُكره عليه ."(مفهوم الإكراه/ أحمد بوادي).
ومحل بحثنا هنا هو الركن الرابع وهو المُكره عليه وما يتعلق به من مسائل وضوابط شرعية وبالأخص مسألة تزاحم المفاسد في موجب الإكراه وموجب الإكراه معناه هو المُكره عليه لذا فإن محل بحثنا بالضرورة متعلق بهذا الركن ولمزيداً من الإيضاح سنبين بإذن الله الركن الرابع وضوابطه والمسائل المتعلقة بهذه الضوابط لتتضح المسألة والله الموفق .

"المُكرَهُ عليه"

المُكْرَه عليه : وهو نوع ما يُراد تنفيذه من المُكرَه ، سواء كان كلاماً أو فعلاً .
مثال : أن يقال للمكرَه أكفر وإلا قتلناك فالمراد من المكره هنا هو الكفر فالكفر مكرَه عليه .

الضوابط الشرعية للمكره عليه :

الضابط الأول : أن لا يكون نتيجة أو حاصل الإكراه أكبر ضرراً من الضرر المتوعد به :
ويشترط فيه أن لا يكون الضرر الناتج عنه أكبر من الضرر المتوعد به المُكْرَه ، وكذلك أن يكون مما يحرم تعاطيه على المكرَه .
ومثاله : ان يُكره الاِنسان على ارتكاب جريمة الزنا ، وإلاّ أخذت بعض أمواله ، أو ان يشهد زوراً على بريء ، وإلاّ فُصِل من وظيفته ، ففي مثل هاتين الصورتين ونظائرهما لا يجوز الاقدام على التنفيذ ، لاختلال الركن الرابع من أركان الاكراه .
فالصواب في هذه المسألة : أن الإنسان يقارن بين مُوجَب الإكراه وبين الفعل الذي أكره عليه فيفعل أدناهما مفسدة .

للقاعدة الشرعية : الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف .
مثال ذلك : من قيل له ادخل بيت غيرك وإلا قتلناك هنا الدخول أقل مفسدة فيدخل البيت ، ولو قيل له : اقتل فلاناً وفلاناً وإلا قتلناك ، فحينئذ موجبُ الإكراه أقل مفسدة ، فلا يقدم على فعل ما أكره عليه هذه هي القاعدة في باب الإكراه .
فالمفاسد إما محرمات وإما مكروهات ، كما إن المصالح إما واجبات وإما مستحبات .

مسألة : فإذا تزاحمت المفاسد بمعنى أنه لا يقدر على ترك الجميع وإلا فالأصل أن يترك الجميع لكن إذا لم يقدر على ترك الجميع فماذا يفعل ؟

"إذا اضطر إلى أن يفعل إحداها فعليه أن لا يرتكب الكبرى بل يرتكب المفسدة الصغرى ، بمعنى يرتكب أهون الشرين دفعاً لأعلاهما ، فإذا كانت إحدى المفسدتين حراماً والأخرى مكروهة يرتكب المكروه لأن الحرام أعلى من المكروه .
مثل : إذا عرض له طعام الأول مشتبه فيه ، والثاني حرامٌ قطعاً يأكل من المشتبه فيه ، هذا إذا لم يجد الحلال الخالص واضطر إلى هذا الأمر ، فإنه يأكل من المشتبه فيه لأنه أخف تحريماً .
وإذا كانت المفسدتان جميعاً حراماً فإنه يقدم الأخف ، لأن الحرام أيضاً ليس على درجة واحدة ، بل بعضه أشد حرمة من بعض ، فالله سبحانه وتعالى مثلاً قال :{ ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا } ولما ذكر الزواج بامرأة الأب ماذا قال ؟
قال { ولا تنكحوا ما نكح آبائكم من النساء إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا } فإذاً الزواج بامرأة الأب أخبث من مجرد الزنى العادي ، ولذا فالزنى بالمحارم والعياذ بالله أعظم عند الله من الزنى بالأجنبيات ، بل هذا فيه القتل وذاك فيه الحد أو القتل رجماً إذا كان محصناً ، فالمحرمات مراتب في الصغر والكبر فإذا اضطر بأن تزاحمت المفاسد عنده فإنه يرتكب الأدنى من المفاسد وهذا من القواعد العظيمة التي جاءت بها الشريعة"(شرح القواعد الفقهيه /عبد الرحمن المحمود النجدي).
مسألة : قد لا تكون النتيجة أو الحاصل من الإكراه حصول ضرر أكبر أو أقل بل قد تكون متساوية في تصور المكرَه فما الضابط لهذه المسألة إذا تساوت المفاسد ؟

وهنا قد يتساوى موجب الإكراه وحاصله في هذه المسألة أو قد يكون المكرَه بين خيارات متساوية لا مخرج منها له فهنا لا يخلو التساوي في تصور المكرَه عن حالتين :
الحالة الأولى : ترجع بالتساوي مع المكرَه نفسه أي يقع الإكراه على المكرَه وغيره .
الحالة الثانية : أن يتساوى الضررين بالنسبة للمكرَه في غيره أي أن يكون حاصل أو نتيجة الضررين متساويين ولكن مع شخصين آخرين .

الحالة الأولى : ترجع بالتساوي مع المكرَه نفسه أي يقع الإكراه على المكرَه وغيره .
مثال : أن يهدد المكرَه إما أن يُقتل هو أو شخص آخر أو يسجن هو أو غيره فالحاصل هنا على الظاهر أن النتيجة متساوية وهي القتل أو السجن لكلاهما .
ولكن الحقيقة أنه لا تساوي هنا مع الإكراه فالشريعة كما مرّ معنا جاءت لحفظ مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم
ومع الإكراه يؤخذ بالرخصة المعتبرة شرعاً كأحكام أستثنائية .
وهنا لا إعتبار شرعي ولا يقع التساوي هنا حقيقةً لأن الخيار ما زال في إمكان المكرَه وهو إما أن يقع الضرر عليه أو على الآخر , فلا يحق له هنا أن يفتدي نفسه بغيره .
يقول الشيخ سعيد بن ناصر الشثري :"من المفاسد ما يتعلق بالغير ومنها ما هو قاصر على النفس ، فالمفسدة القاصرة على النفس نرتكبها إذا لم نتمكن من درء المفسدة المتعلقة بالغير إلا بارتكاب المفسدة الأولى .
مثال ذلك : إذا كان الإنسان مضطرا للأكل ولم يجد إلا ميتة أو طعاما لمن كان في مثل حالته فحينئذ إن أكل من الطعام الآخر هو حلال لكنه فيه مفسدة متعلقة بالغير، والميتة ليس فيها مفسدة متعلقة بالغير، فنقدم المفسدة القاصرة على النفس على المفسدة المتعلقة بالغير .
ومثال ذلك أيضا لو قيل للإنسان اقتل غيرك وإلا قتلناك ، فحينئذ هنا مفسدتان : قتل النفس ، وقتل الغير ، والمفسدة المقدمة هنا المفسدة المتعلقة بالنفس ، فنرتكب تلك المفسدة ، ونتحمل القتل من أجل أن ندرأ المفسدة الأعظم المتعلقة بقتل الغير" . (منظومة القواعد الفقهية/شرح الشيخ سعيد بن ناصر الشثري ).
وقال الإمام الزيلعي الفقيه الحنفي :[ لو أكره على قتل غيره بالقتل لا يرخص له القتل لإحياء نفسه لأن دليل الرخصة خوف التلف والمكره والمكره عليه في ذلك سواء فسقط الإكراه وإن قتله أثم لأن الحرمة بما فيه ](تبيين الحقائق5/186).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :" لو أكره رجل رجلاً على قتل مسلم معصوم فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين وإن أكرهه بالقتل فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس" (مجموع الفتاوى 28/539).
وفي مفهوم المساواة للضرر هنا ونفي إزالة الضرر بمثله قال العلامة علي حيدر في شرح المجلة:" لو أن شخصاً هدد آخر بالقتل أو بقطع العضو وأجبره على قتل شخص فلا يحق للمكره أن يوقع القتل لأن الضرورة هنا مساوية للمحظور بل أن قتل المكره أخف ضرراً من أن يقتل شخصاً آخر في الحالة هذه إذا أوقع ذلك المكره القتل يكون حكمه حكم القاتل بلا إكراه أما من جهة القصاص فينفذ في حق كل من المجبر والمكره " (درر الحكام شرح مجلة الأحكام 1/38).
ويقول العز بن عبدالسلام رحمه الله في معرض بيانه لاجتماع المفاسد , ووجوب درء الأفسد فالأفسد , إن تعذر درؤها جميعاً : " أحدها أن يكره على قتل مسلم بحيث لو امتنع قتل , فيلزمه أن يدرأ مفسدة القتل بالصبر على القتل , لأن صبره على القتل أقل مفسدة من إقدامه عليه .
وإن قدر على دفع المكروه بسبب من الأسباب لزمه ذلك , لقدرته على درء المفسدة .
وإنما قدم درء القتل بالصبر , لإجماع العلماء على تحريم القتل واختلافهم في الإستسلام للقتل , فوجب تقديم درء المفسدة المجمع على وجوب درئها , على درء المفسدة المختلف في وجوب درئها "(قواعد الأحكام/ العز بن عبدالسلام 1/93).
ويقول الجصاص في أحكام القرآن : " وقالوا فيمن أكره على قتل رجل , أو على الزنا بامرأة , لا يسعه الإقدام عليه , لأن ذلك من حقوق الناس وهما متساويان في الحقوق , فلا يجوز إحياء نفسه بقتل غيره بغير استحقاق " .(أحكام القرآن للجصاص 5/16).
ويضاف لما سبق أن دفع الإنسان الضرر عن نفسه مقيد بألا يلحق بغيره الضرر وقد ورد في القاعدة الفقهية : ( الضرر لا يزال بمثله ) .
فلا يجوز للمكره على القتل أن ينجي نفسه بقتل غيره لأن النفوس متساوية وغير متفاوتة .

الحالة الثانية : أن يتساوى الضررين بالنسبة للمكرَه في غيره أي أن يكون حاصل أو نتيجة الضررين متساويين .
مثال : أن يقال للمكرَه إما أن نقتل زيداً أو عمراً فهنا المكرَه مخير فقط .
مثال آخر : أن يقع الإكراه على المكره بحيث لا يمكن أن يترك أحد الركنين وهما المكره به والمكره عليه ويتساوى الضررين بهما كالسجن والتعذيب وغيره فيكون موجب الإكراه السجن والنتيجة كذلك السجن .
للتوضيح أكثر شخص وقع في الأسر بيد الأعداء ومع التعذيب والسجن تبين بأنه مكرَه بين أن يدّل على فلان أو فلان ولا بد له من ذلك أو أنهما سيقعان الأثنان وهنا لا بد مع الإكراه أن يضحي بأحدهما لينجو الآخر .
ومثل ذلك بين من يرجح مع الإكراه بين مفسدتين كلاهما تمس الدعوة فلا بد أن يضحي بأحدهما .
فما هو المرجح أو الميزان الشرعي للترجيح بينهما .
تنبيه : قبل ذلك يجب أن نعرف أن العبد مكلف بدرء المفاسد كلها ما لم يضطر أو يكره لإرتكاب أحدها وعند تزاحم المفاسد يقع العبد بين خيارات لا تحكمها الأهواء وإنما المعايير الشرعية والتي قد تخفى على كثير من أهل العلم ولا أزعم هنا أنني قد ألممت بهذه المسألة إلا أنني تطرقت إليها مرغماً بالبحث بما يتعلق بمسائل الإكراه وأتمنى أن أكون وفقت في هذا البحث .
ورغم أنني قد توسعت في هذا الباب وهو باب ضوابط المصلحة والمفسدة وتعارضها إلا أنه كان لا بد من ذلك من أجل إتمام الفائدة ولي بحث خاص في ذلك أرجو من الله أن يوفقني لإتمامه .
ولا بد للباحث أو المرجح بين المفاسد من شروط وإعمالات قبل الشروع في الترجيح بالمعايير الشرعية والعمل بها .
يقول الشيخ حمدان الجزائري : "هذا باب عظيم من أبواب الدين لا يستطيع أن ينصب نفسه له إلا من كان من أهل الاجتهاد و من أهل الفقه و من أهل بعد النظر .
أولاً : لا بد أن يكون عارفا بالواقع .
ثانياً: لا بد أن يكون عارفا بالمصالح و مراتبها و المفاسد و مراتبها حتي يستطيع أن يعرف هل يمكن الجمع بين المصالح أم أنه لا بد من فعل أعلاها ؟ و هل يمكن درء المفاسد جميعا ؟ أم أنه إن اضطر لفعل إحداها ماذا يقدم ؟ الصغرى على الكبرى ؟ و هذا باب عظيم لا يعرفه إلا الراسخون من أهل العلم "( ملتقى أنصار الهدى/قسم الشروحات العلمية/ حمدان الجزائري) .
ولا يسعى العبد إلى الموازنة والترجيح ما لم يستنفذ سُبل دفع المفاسد ويجد أنه مرغماً على هذا الترجيح بين المفاسد عند تعارضها .
يقول الدكتور/ عبد المجيد السوسوة : "إذا اجتمعت المفاسد فعلى المسلم أن يسعى إلى درئها جميعاً وإذا تعذر عليه ذلك بأن وجد نفسه مضطراً إلى ارتكاب بعض المفاسد لكي يتجنب بذلك البعض الآخر" كحالة الإكراه التي ذكرناها " فلا بد له من الموازنة بين المفاسد لكي يدرأ أشدها بارتكاب أخفها ، فليس له أن يعمل هذه الموازنة إلا إذا كان مضطراً إليها ولم يكن ملزماً بتحمل نوع معين من المفاسد وأن لا يجد مباحاً يدرأ به حالة الضرورة وأن لا تؤدي الموازنة إلى الإضرار بالغير وأن تكون الموازنة وفق المعايير الشرعية" (منهج فقه الموازنات في الشريعة الإسلامية/الدكتور.عبد المجيد السوسوة).
المقصود بقوله "أن لا تؤدي الموازنة إلى الإضرار بالغير" كما مر معنا في الحالة الأولى بأن لا يدخل ضمن الميزان الشرعي التي ترجح بها المفاسد عند التساوي حالات الإضرار بالغير كما مر من خلال كلام أهل العلم .
ميزان الترجيح :
أما فيما يتعلق بميزان الترجيح بين المصالح والمفاسد ، فيمكن أن نميز اجتماع المصالح والمفاسد بإحدى الحالات الآتية :
تعارض المصالح أو تعارض المفاسد أو تعارض المصالح مع المفاسد .
ومحل بحث المسألة هنا هو تعارض المفاسد أو تزاحمها .
وفي هذا المجال يُعتبر العز بن عبد السلام رحمه الله من أوائل من فصّل القول في هذا المجال حيث بيّنها رحمه الله بقوله :
" وإن تعارضت المفاسد ، نحاول درء الكل ، فإن تعذر فالأفسد ، فإن تساوت فتُدرأ المفسدة الأشمل ، مع مراعاة التحقق من وقوع المفسدة "(قواعد الأحكام في مصالح الأنام/133).
مما تقدم نستنتج أن الترجيح بين المصالح والمفاسد أو بين المفاسد عند تعارضها وتزاحمها ليس أمرا اعتباطيا ، يتم وفق الأهواء والتصورات الموهومة ؛ فأساس الترجيح قائم على مدى التأكد من التحقق الفعلي للمفاسد عند تساويها وتزاحمها .

المعايير الشرعية للموازنة بين المفاسد المتعارضة :

" معايير الموازنة بين المفاسد المتعارضة تتركز في سبعة معايير :
وذلك بأن يبدأ أولاً النظر إلى حكم كل واحدة من المفسدتين المتعارضتين بحيث يدرأ أعلاهما حكماً بارتكاب أدناهما ، فإن تساوت المفسدتان في رتبة الحكم فينظر إلى رتبة المفسدة في كل واحدة منهما بحيث يدرأ أعلاهما رتبة بارتكاب أدناهما رتبة ، فإن تساوت المفسدتان في نوع المفسدة في كل واحدة منهما بحيث يدرأ أعلاهما نوعاً بارتكاب أدناهما نوعاً ، فإن تساوت المفسدتان في النوع فينظر إلى كل واحدة منهما من حيث عمومها وخصوصها بحيث يدرأ أعمهما بارتكاب أخصهما ، فإن استوت المفسدتان في العموم والخصوص فينظر إلى مقدار كل منهما بحيث يدرأ أكبرهما قدراً بارتكاب أدناهما قدراً ، فإن استوت المفسدتان في القدر فينظر إلى الامتداد الزمني لكل منهما بحيث يدرأ المفسدة الدائمة بارتكاب المفسدة الآنية وقبل كل ذلك لا بد من النظر إلى مدى تحقق كل واحدة منهما ليدرأ آكدهما تحققاً بارتكاب ما كانت مفسدته غير محققة الوقوع فإن استوت المفسدتان المتعارضتان في كل الوجوه فللمكلف أن يختار فعل إحداهما لكي يدرأ بها الأخرى"(منهج فقه الموازنات في الشريعة الإسلامية).

إذاً فالمعايير التي ذكرت هنا هي سبعة معايير شرعية وهي :

أولاً : النظر إلى حكم كل واحدة من المفسدتين المتعارضتين بحيث يدرأ أعلاهما حكماً بارتكاب أدناهما .
ثانياً : فإن تساوت المفسدتان في رتبة الحكم فينظر إلى رتبة المفسدة في كل واحدة منهما من حيث النوع بحيث يدرأ أعلاهما رتبة بارتكاب أدناهما رتبة .
ثالثاً : فإن تساوت المفسدتان في النوع فينظر إلى كل واحدة منهما من حيث عمومها وخصوصها بحيث يدرأ أعمهما بارتكاب أخصهما .
رابعاً : فإن استوت المفسدتان في العموم والخصوص فينظر إلى مقدار كل منهما بحيث يدرأ أكبرهما قدراً بارتكاب أدناهما قدراً .
خامساً : فإن استوت المفسدتان في القدر فينظر إلى الامتداد الزمني لكل منهما بحيث يدرأ المفسدة الدائمة بارتكاب المفسدة الآنية .
سادساً : وقبل كل ذلك لا بد من النظر إلى مدى تحقق كل واحدة منهما ليدرأ آكدهما تحققاً بارتكاب ما كانت مفسدته غير محققة الوقوع .
سابعاً : فإن استوت المفسدتان المتعارضتان في كل الوجوه فللمكلف أن يختار فعل إحداهما لكي يدرأ بها الأخرى .
وبالخيار للمكره عند تساوي المفاسد قد ذكره ابن القيم رحمه الله حيث قال"وأما سائر الصور التي تساوت مفاسدها كإتلاف الدرهمين والحيوانين ، وقتل أحد العدوين، فهذا الحكم فيه التخيير بينهما "(مفتاح دار السعادة / ابن القيم).
وقد قال بعض العلماء بالقرعة عند تعلق حق للآخرين في تساوي المفاسد أو المصالح قال الشيخ يوسف حميتو :"والتخيير لا يكون إلا حال التساوي . لكن ينبغي ألا يفوتنا أن هذا الكلام الآنف كله إنما هو متعلق بالشخص الواحد ، أما في حال تعدد المعنيين فلا يكون التخيير محققا للعدل ، والشرع إنما هو عدل ومصلحة وهما مقصداه الجوهريان كما يقرر ذلك الدكتور عبد الرحمن السنوسي في كتابه : " اعتبار المآل ومراعاة نتائج التصرفات " إذن ما الحل ؟
الحل كما قرره العلماء هو القرعة ، ولا يملك أحد أن يرد هذا المسلك ، وقد ثبت صدوره عن النبي ، وقد أقرع بين نسائه" (هل تتساوى المصالح والمفاسد؟/يوسف حميتو).

فائدة لابن القيم رحمه الله في امثلة يتصور فيها تساوي المفاسد :
مع بحثي في هذه المسألة وجدت كلاماً قيماً حول تساوي المفاسد وأمثلة متعددة حول هذه المسألة للإمام ابن القيم رحمه الله ، وفيه فوائد عظيمة وقد إخترت عرض خمس مسائل مهمة ، لذا رأيت أن أسوقه بلفظه بكامله لتمام الفائدة ، قال رحمه الله في كتاب مفتاح دار السعادة :
"فإن قيل : فما تقولون فيمن توسط أرضا مغصوبة ، ثم بدا له في التوبة فإن أمرتموه باللبث فهو محال ، وإن أمرتموه بقطعها والخروج من الجانب الآخر فقد أمرتموه بالحركة والتصرف في ملك الغير ، وكذلك إن أمرتموه بالرجوع فهو حركة منه وتصرف في أرض الغصب ، فهذا قد تعارضت في المصلحة والمفسدة فما الحكم في هذه الصورة ؟
وكذلك من توسط بين فئة مثبتة بالجراح منتظرين للموت ، وليس له انتقال إلا على أحدهم ، فإن أقام على من هو فوقه قتله ، وإن انتقل إلى غيره قتله ، فقد تعارضت هنا مصلحة النقلة ، ومفسدتها على السواء ؟
وكذلك أيضا إذا تترس الكفار بأسرى المسلمين هم بعدد المقاتلة ، ودار الأمر بين قتل الترس وبين الكف عنه ، وقتل الكفار المقاتلة المسلمين ؟ فها هنا أيضا قد تقابلت المصلحة والمفسدة على السواء .
وكذلك أيضا إذا ألقى في مركبهم نار وعاينوا الهلاك بها ، فإن أقاموا احترقوا وإن لجئوا إلى الماء هلكوا بالغرق ؟
وكذلك إذا اغتلم البحر بحيث يعلم ركبان السفينة أنهم لا يخلصون إلا بتغريق شطر الركبان لتخفف بهم السفينة ، فإن ألقوا شطرهم كان فيه مفسدة ، وإن تركوهم كان فيه مفسدة ، فقد تقابلت المفسدتان والمصلحتان على السواء " .

ثم رد ابن القيم على هذه التساؤلات فقال رحمه الله :
" فأما من توسط أرضا مغصوبة ، فإنه مأمور من حين دخل فيها بالخروج منها ، فحكم الشارع في حقه المبادرة إلى الخروج وإن استلزم ذلك حركة في الأرض المغصوبة ، فإنها حركة تتضمن ترك الغصب ، فهي من باب مالا خلاص عن الحرام إلا به ، وأن قيل إنها واجبة فوجوب عقلي لزومي ، لاشرعي مقصود ، فمفسدة هذه الحركة مغمورة في مصلحة تفريغ الأرض والخروج من الغصب ، وإذا قدر تساوي الواجب بالنسبة إليه ، فالواجب القدر المشترك ، وهو الخروج من أحدهما ، وعلى كل تقدير فمفسدة هذه الحركة مغمورة جدا في مصلحة ترك الغصب ، فليس مما نحن فيه بسبيل .
وأما مسألة من توسط بين قتلى لاسبيل له إلى المقام أو النقلة إلا بقتل أحدهم فهذا ليس مكلفا في هذه الحال، بل هو في حكم الملجأ ، والملجأ ليس مكلفا اتفاقا ، فإنه لا قصد له ولا فعل ، وهذا ملجأ من حيث أنه لاسبيل إلى ترك النقلة عن واحد إلا إلى آخر ، فهو ملجأ إلى لبثه فوق واحد ولابد ، ومثل هذا لا يوصف فعله بإباحة ولا تحريم ولاحكم من أحكام التكليف ، لأن أحكام التكليف منوطة بالاختيار ، فلا تتعلق بمن لااختيار له ، فلو كان بعضهم مسلما وبعضهم كافرا مع اشتراكهم في العصمة، فقد قيل : يلزمه الانتقال إلى الكافر أو المقام عليه ، لأن قتله أخف مفسدة من قتل المسلم ، ولهذا يجوز قتل من لا يقتله في المعركة إذا تترس بهم الكفار فيرميهم ويقصد الكفار .
وأما إذا تترس الكفار بأسرى من المسلمين ، بعدد المقاتلة فإنه لا يجوز رميهم إلا أن يخشى على جيش المسلمين ، وتكون مصلحة حفظ الجيش أعظم من مصلحة حفظ الاسارى ، فحينئذ يجوز رمي الاسارى ، ويكون من باب دفع المفسدتين باحتمال أدناهما ، فلو انعكس الأمر وكانت مصلحة الأسرى أعظم من رميهم لم يجز ، فإن فرض الشك وتساوي الأمران لم يجز رمي الأسرى ، لانه على يقين من قتلهم، وعلى ظن وتخمين من قتل أصحابه وهلاكهم ، ولو قدر أنهم تيقنوا ذلك ، ولم يكن في قتلهم استباحة بيضة الإسلام وغلبة العدو على الديار ، لم يجز أن يقي نفوسهم بنفوس الأسرى ، كما لا يجوز للمكره على قتل المعصوم أن يقتله ويقي نفسه بنفسه ، بل الواجب عليه أن يستسلم للقتل ، ولا يجعل النفوس المعصومة وقاية لنفسه.
وأما إذا ألقي في مركبهم نار فأنهم يفعلون ما يرون السلامة فيه ، وإن شكوا هل السلامة في مقامهم ، أو في وقوعهم في الماء ، أو تيقنوا الهلاك في الصورتين ، أو غلب على ظنهم غلبة متساوية لا يترجح أحد طرفيها ، ففي الصور الثلاث قولان لأهل العلم ، وهما روايتان منصوصتان عن أحمد :
إحداهما : أنهم يخيرون بين الأمرين ، لانهما موتتان قد عرضتا لهم فلهم أن يختاروا أيسرهما عليهم ، إذ لابد من أحدهما ، وكلاهما بالنسبة إليهم سواء ، فيخيرون بينهما.
والقول الثاني : أن يلزمهم المقام ولا يعينون على أنفسهم لئلا يكون موتهم بسبب من جهتهم ، وليتمحض موتهم شهادة بأيدي عدوهم .
وأما مسألة اغتلام البحر ، فلا يجوز إلقاء أحد منهم في البحر بالقرعة ولاغيرها لاستوائهم في العصمة ، وقتل من لاذنب له ، وقاية لنفس القاتل به ، وليس أولى بذلك منه ظلم، نعم لو كان في السفينة مال أو حيوان وجب إلقاء المال ، ثم الحيوان ، لأن المفسدة في فوات الأموال والحيوانات أولى من المفسدة في فوات أنفس الناس المعصومة .
وأما سائر الصور التي تساوت مفاسدها كإتلاف الدرهمين والحيوانين ، وقتل أحد العدوين ، فهذا الحكم فيه التخيير بينهما، لأنه لابد من إتلاف أحدهما وقاية لنفسه وكلاهما سواء ، فيخير بينهما ، وكذلك العدوان المتكافئان يخير بين قتالهما ، كالواجب المخير والولي ".انتهى كلام ابن القيم رحمه الله .(مفتاح دار السعادة ص 406).

الحاصل من كلام ابن القيم :
والحاصل من كلامه في وجود صور تتساوى فيها المفسدة المقارنة للمصلحة ، إخراج جميع الصور عن محل النزاع فهي :
• إما من قبيل ما لاخلاص من الحرام إلا به كالأرض المغصوبة .
• وإما من قبيل دفع أدنى المفسدتين، بارتكاب أدناهما كمسألة التترس بالأسرى .
• وإما من قبيل تساوي المصلحتين أو المفسدتين فيخير.
• وإما من قبيل الملجأ فلا اختيار له، كالساقط على الجرحى ."(حامد العلي/ ميزان المصلحة والمفسدة).
" فهذا ليس مكلفا في هذه الحال ، بل هو في حكم الملجأ ، والملجأ ليس مكلفا اتفاقا، فإنه لاقصد له ولافعل كما مر من كلام ابن القيم ، وهذه المسألة التي ذكرناها في بداية طرح مسألة تساوي المفاسد فيكون من يكرَه على أن يختار بين موت اثنين في حكم الملجأ لفعل أمر لا اختيار حقيقي له فيه ".
ولكن مع تعارض المفاسد عند الإكراه قد يتصور التساوي ولا تساوي في بعض المفاسد على الحقيقة عند إعمال المعايير الشرعية لذا لا بد من النظر إلى المفسدتين من حيث الحكم والنوع والعموم والخصوص وغيرها من المعايير التي مرت معنا وعلى ذلك فلو ضربنا مثالاً بالإكراه بين قتل رجلين أو التضحية بأحدهما بالسجن أو غيره وخير المكرَه بأحدهما فالأصل أن النفوس متساوية ولكن لا بد من النظر إلى حال الرجلين وعلاقتهما بالأمة من حيث النفع والضرر للأمة والنظر كذلك من حيث العموم والخصوص بين هذين الرجلين ومجموع الأمة أو الجماعة فمع النظر لهذه المعايير تفترق الموازين الشرعية .



ضابط شرعي : يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام :

إذا تزاحمت المفاسد وتحققنا من وقوعها الفعلي فهنا يعمل بضابط مهم وهو يدفع الضرر العام والذي قد يصيب الأمة أوعموم الناس وإن استلزم هذا الدفع إيقاع الضرر الخاص والذي قد يصيب فرداً أو فئة قليلة من الناس . (القواعد الفقهية/عبد الكريم زيدان ).
وعلى هذا يقاس من يكون في نفعه نفعٌ للأمة ومن يكون في ضرره ضرر للأمة كالسلطان والعالم ومن ينظر إليه ويُحتاج إليه فلا يقاس هذا حقيقةً بالفرد العادي وإن كانت أنفسهم متساوية في الشرع إلا أننا ولإعتبارات شرعية لصالح الأمة وللمصلحة العامة للمسلمين قد يكون حفظ نفس من له أهمية للأمة أولى من حفظ نفس غيره عند تساوي الضرر ووقوعه على نفسيهما .
وذلك واضح من خلال إفتداء الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والتضحية بأنفسهم للذود عنه فقد روي في السير أن رسول الله أمر علياً أن ينام على فراشه في ليلة الهجرة وقال له :" نم على فراشي وتسبح ببردي هذا الحضرمي الأخضر , فنم فيه فأنه لن يخلص إليك شيئ تكرهه منهم " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام .(السيرة النبوية لابن هشام2/81 , زاد المعاد لابن القيم3/52).
فعندما أراد المشركون قتل رسول الله ضحى علي رضي الله عنه بحياته لمصلحة الدعوة وسلامة القائد فعند المقارنة والتخيير لما لا بد منه من اختيار وقوع أحد الضررين فقطعاً أن الحفاظ على حياة القادة ومن تقوم الدعوة بهم أولى من غيرهم لبقاء مصلحة الأمة يقول الدكتور الصلابي: "ففي سلامة القائد سلامة للدعوة وفي هلاكه خذلانها ووهنها , فما فعله علي رضي الله عنه ليلة الهجرة من بياته على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتبر تضحية غالية إذ كان من المحتمل أن تهوي سيوف فتيان قريش على رأس علي رضي الله عنه ولكن علياً لم يبال بذلك فحسبه أن يسلم رسول الله نبي الأمة وقائد الدعوة "(علي بن أبي طالب/ الدكتور علي الصلابي ).
ومن الأدلة الواضحة والأمثلة الجلية في دفع المفسدة الأعظم عند تزاحم المفاسد عملاً بقاعدة ارتكاب أخف الضررين عند تزاحم الأضرار واضطرار العبد المكلف إلى ارتكاب أحدها مثال واضح في دفع المفسدة الظاهرة .
فقد روى ابن إسحاق رحمه الله في سيره في قصة إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال‏:‏ " ثم إن قريشاً بعثت عمر بن الخطاب ، وهو يومئذ مشرك ، في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورسول الله في دار في أصل الصفا ، فلقيه النحام وهو نعيم بن عبد الله بن أسيد ، وهو أخو بني عدي بن كعب ، قد أسلم قبل ذلك ، وعمر متقلد سيفه فقال‏ :‏ يا عمر ، أين تريد ? فقال ‏:‏ أعند إلى محمد الذي سفه أحلام قريش ، وشتم آلهتهم وخالف جماعتهم ‏.‏ فقال النحام‏ :‏ والله لبئس الممشى يا عمر‏ !‏ ولقد فرطت وأردت هلكة عدي بن كعب ‏!‏ أو تراك تفلت من بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمداً ؟ فتحاوروا حتى ارتفعت أصواتهما ، فقال له عمر‏ :‏ إني لأظنك قد صبوت ، ولو أعلم ذلك لبدأت بك ‏!‏ فلما رأى النحام أنه غير منته قال‏ :‏ فإني أخبرك أن أهلك وأهل ختنك قد أسلموا ، واركوك وما أنت عليه من ضلالتك‏ .‏ فلما سمع عمر تلك يقولها قال‏ :‏ وأيهم ؟ قال ‏:‏ ختنك وابن عمك وأختك‏ .‏ فانطلق عمر حتى أتى أخته ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتته طائفة من أصحابه من ذوي الحاجة ، نظر إلى أولي السعة ، فيقول‏ :‏ عندك فلان‏ .‏
فوافق ذلك ابن عم عمر وختنة زوج أخته سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، فدفع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خباب بن الأرت"‏‏.(‏ المغازي لأبن أسحاق , الإصابة‏ في تمييز الصحابة/ابن حجر العسقلاني , أسد الغابة في معرفة الصحابة/عزالدين أبو الحسن الشهير بابن الأثير , الإستيعاب في تمييز الأصحاب/ابن عبد البر , عمر بن الخطاب / د. علي الصلابي).
ونعيم رضي الله عنه "هو نعيم بن عبد الله بن أسيد بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي وإنما سمي النحام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ دخلت الجنة فسمعت نحمة من نعيم فيها ‏"‏‏(أسد الغابة في معرفة الصحابة/عزالدين أبو الحسن الشهير بابن الأثير).‏
"وكان نعيم النحام قديم الإسلام يقال‏:‏ إنه أسلم بعد عشرة أنفس قبل إسلام عمر بن الخطاب وكان يكتم إسلامه ومنعه قومه لشرفه فيهم من الهجرة لأنه كان ينفق على أرامل بني عدي وأيتامهم" (الإستيعاب في تمييز الأصحاب/2)
هنا تحققت مفسدة عظيمة وهي إرسال قريش لعمر بن الخطاب حال كفره لأذية رسول الله صلى عليه وسلم ثم تبين لنا من خلال فعل نعيم النحام دفعه هذه المفسدة بمفسدة أخف منها وهي صرف عمر بن الخطاب إلى أخته فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد وخباب بن الأرت رضي الله عنهم أجمعين رغم علمه أنهم سيؤذوا إلا أنه قد رأى أن أذية هؤلاء جميعاً أخف ضرراً من أن يصل عمر بن الخطاب إلى رسول الله بأذى وهذا هو عين الصواب عند تحقق مفسدة يمكن أن تدفع بأخف منها وأن كانت المفاسد تقع على الأنفس لتباين الأنفس هنا .
ومن الأمثلة كذلك الدالة على تضحية الصحابة رضي الله عنهم بأرواحهم لأجل قادتهم ولحفظ مصلحة الأمة بحفظ قائدها ما كان من صنعهم في حادثة الفتنة التي جرت في خلافة عثمان رضي الله عنه فقد بادر كثير من الصحابة للدفاع عن الخليفة عثمان رضي الله عنه منهم علي بن أبي طالب وابنه الحسن والزبير وابن عبدالله وابن عمر والمغيرة وأبوهريرة وكعب بن مالك وغيرهم كثير رضي الله عنهم أجمعين لعلمهم أن في حياة خليفتهم حياة للأمة وفي قتله ضرر للأمة غير أن مشيئة الله شاءت بمقتل الخليفة عثمان رضي الله عنه .(عثمان بن عفان/الدكتور علي الصلابي, فتنة مقتل عثمان /الدكتور محمد الغبان).



" تم بحمدلله تعالى "

كتبه . إسماعيل مصلح أبوسويد .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تزاحم المفاسد في موجب الإكراه لدى المُكره .
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
http://bahaj.ahlamontada.com :: الاقسام الاساسية :: ..::: مجالس الشريعة والحياة :::..-
انتقل الى: